8
الجزء ٧ · صفحة ٢٦٩﴿ فلمَّا جاءَهَا ﴾ أى النار لا الشجرة إذ لم يجر لها ذكر ، وذلك مجاراة على ظنه أن ما رأى نار فلا يقال : إن الله يعلم انها ليست ناراً فكيف يقول : فلما جاء النار ﴿ نودِىَ ﴾ أى موسى من جانب الطُّور ﴿ أن بُوركَ ﴾ أن مخففة ، واسمها ضمير الشأن ، لأنها قد تكون بلا فصل بقد ، ولا بالسين ، ولا سوف ، ولا حرف النفى ، والباء مقدرة أى نودى بانه بورك ، والكلام إخبار بالبركة ، لا دعاء بها لا تفسيرية ، وإلا بقى بلا منادى من أجله ، وأيضاً النداء غير البركة ، ويجوز ان تكون إن هى المصدرية الداخلة على الماضى ، كقوله تعالى : ﴿ أن كان ذا مال ﴾ بل هذا أولى وان جعلنا بورك دعاء من ملك أو صورة دعاء ، فلا إشكال فى جعلها مخففة لعدم اشتراط الفصل إلا ما لم أزل ألهج به من عدم جواز دخول حرف المصدر على الطلب ، لأنه لا خارج له يعبر عنه بالمصدر .
﴿ مَنْ ﴾ نائب الفاعل ﴿ فى النار ومَنْ حَولها ﴾ أى من فى مكان النار ، ومن حول مكانها ، وهم الأنبياء الموتى المقبورون ، والمراد أرض الشام ، وهى محلهم ، ومكان النار نفس الموضع الذى فيه ، فحذف المضافان ، ويدل لما ذكر قراءة أبى : تباركت الأرض ومن حولها ، وقد قال الله D : ﴿ نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة ﴾ وتلك الأرض الشام كلها ، وهى مبعث الأنبياء ، وقبورهم ، وتكليم موسى ، وقيل مَنْ فى النار موسى ، ومن حولها الملائكة الحاضرون ، وقيل : من فى النار الملائكة بالتسبيح والتهليل ، ومن حولها موسى إذ هو حادث عليها ، وقيل : من فى النار الله سبحانه ، ومن حولها موسى والملائكة .
ومعنى كون الله D فى النار أنه الخالق لها فى ذلك المحل ، المالك ، ومعنى كونه بورك ، أنه نزه عن الحلول وصفات الخلق ، وذلك أنه نادى موسى وأسمعه من جهتها ، وفى التوراة : جاء الله من سيناء ، وأشرف من ساعين ، واستعلى من جبال فاران . ومعنى مجيئه من سيناء مجىء موسى منه ، وإشرافه من شاعين مجىء عيسى ، واستعلاءه من جبال فاران مجىء محمد عليه وعليهما لاسلام ، وفاران مكة ، او المراد بورك موسى والملائكة ببركة النار ، وقد قيل : إنها نور حسبها موسى ناراً ، أو الظرفية مجازية فتفنى عن تقدير المضافين بالقرب التام .
﴿ وسبحان الله ﴾ سبح الله تسبيحاً ﴿ ربِّ العالمين * يا موسى ﴾ أى نزه الله يا موسى عن صفات الخلق من الحلول فى مكان وزمان ، والتشخص ، والنطق ، والخرس ، والجوارح ، حذره عن التشبيه حين سمع كلامه ، فانه كلام خلقه الله فى الشجرة ، او فى الهواء ، أو فى جسم موسى ، أو تكلم به ملك عنه تعالى ، وليس ذلك خبراً من الله ، بل أمر ولا حاجة الى جعله تعجباً على تقدير القول ، أى وقال سبحان الله ، نعم يجوز ان تكون تعجبياً وهو صادق بتفسيرى ، ولا ينافيه فغن أره بالتنزيه تعجيب ، نعم يجوز أن يكون ذلك من كلام موسى ، اى سبحت الله تسبيحاً ، وإذا علقنا يا موسى بما قبله كانت الفاصلة الحكيم ، وإن علقناه بما بعده ، كانت الفاصلة العالمين .