15
الجزء ٨ · صفحة ٧١﴿ وإن جاهداك على أن تُشْرك بى ﴾ فى العبادة او الدعاء او ما اختص به ﴿ ما لَيٍ لَكَ به ﴾ الباء متعلق بقوله : ﴿ علِمٌ ﴾ وما واقعة على الشئ ، او شئ مفعول به ، او على اشراك او الاشراك مفعول مطلق ، اى الاشراك الذي ليس لك به علم ، او اشراكا ليس لك به علم ، وليس ذلك مقيدا ، فانه لا يرجو علم يبيح الاشراك ، فنفى العلم بذلك نفى لوجوده على حد قوله تعالى : ﴿ تدعون من دونه ﴾ والعلم به غير شئ ، فلا يتعلق العلم به ، او عن طريق نفى الشئ بنفى لازمه ، فانه اذا لم يوجد معلوم لم يوجد علم ، كقولك : لا اراك هنا ، اى لا تكن هنا فضلا من اراك وقوله :
على لاحب لا يهتدى بمنارة … اى لا منار له فيهتدى به ، او العلم به مفقود على فرض وجوده ، فلا عبرة به ، وإنما قدم به على علم ، مع ان معمول المصدر لا يتقدمه ، لانه ليس المعنى على انسباكه بالفعل ، وحرف المصدر ليس المعنى ما ليس لك ان تعلم به ، ويجوز تعليقه لك او متعلقة على ان الباء بمعنى فى ﴿ فلا تطعهما ﴾ فى الاشراك ، وكذا كل معصية لا طاعة لمخلوق فيها ﴿ وصاحبهما فى الدنيا ﴾ فى حياتك وحياتهما ، وعبر بالدنيا تلويحا بقصر عمر الدنيا كلها ، فكيف بعضها ، لا يثقل عليك الاحسان اليهما ولو مدة الدنيا ، بل مدة باقيها او تلويحا بانصرام ايام الحياة ، فلا يثقلان عليك ، او احترز بذكر الدنيا عن الدين ، فان المعتبر هو الدين ، ولا بد منه ، ولا يعتبر عليك منهما ما يخالفه ﴿ معْروفا ﴾ مفعول مطلق ، اى صحابا معروفا بكسر الصاد ، وهو المصاحبة بالكرم والجود ، والمروءة والاطعام والكسوة ، عدم ما يضرهما كالانتهار ، ونحو ذلك فى صحتها ومرضها ، وما احسن قول بعض :
لأمك حق لو علمت كبير … كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكى … لها من جواها أنة وزفير
وفى الوضع لو تدرى عليها مشقة … فمن غصص لها الفؤاد يطير
وكم غسلت منك الاذى بيمينها … وما حجرها الا لديك سرير
وتفديك عما تشتكيه بنفسها … ومن ثديها شرب لديك نمير
وكم مرة جاءت واعطتك قوتها … حنوا وإشفاقا وأنت صغير
وآها لذى عقل ويتبع الهوى … وآها لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب فى عميم دعائها … فأنت لما تدعو به لفقير
ولا يخفى ان حق الام اعظم لامثال هذه المشاق والصبر عليها ، وعدم الملل به ، وقيل ذكر الله تعالى : ﴿ وصاحبهما فى الدنيا معروفا ﴾ مقابلة لقوله : ﴿ واتبع ﴾ فى الدين ﴿ سبيل من أنابَ إلىَّ ﴾ رجع الى بالتوحيد والاخلاص فى العمل ، لاسبيهما فى دعائهما لك للاشراك .
قال سعد بن ابى وقاص : كنت برا بأمى ، واسلمت فقالت : لا آكل ولا اشرب حتى تكفر او اموت ، فتعير بى يا قاتل امه ، فلم تأكل يوما وليلة ، فاجهدت ، وروى ثلاث ليال فقلت لها : لا أكفر ولو كانت لك مائة نفس خرجت واحدة ، بعد واحدة فكلى واشربى او اتركى ونزل فى : ( وان جاهداك ) الآية رواه الطبرانى وغيره .