تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

10

الجزء ٨ · صفحة ٢٩١

﴿ والله خَلقَكُم مِن تُرابٍ ﴾ فى ضمن خلق آدم منه فهم مخلوقون من تراب بوسائط الآباء والأمهات ، أو بوسائط الدم المتولد من الثمار المتولدة من التراب ، أو مضاف ، أى خلق آباكم آدم ﴿ ثُم من نُطْفةٍ ثُم جَعَلكم أزْواجاً ﴾ ذكرانا وإناثا كما قال : ﴿ أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ﴾ أو زوج الذكور بالإناث بالذكور ، ويناسب هذا ذكر النطفة وقوله تعالى : ﴿ وما تَحْمل من أنْثى ﴾ جنينا ﴿ ولا تَضَع ﴾ لا تضعه حيا أو ميتا نطفة أو علقة أو مضغة أو عظاما أو مصورا ﴿ إلا بعِلْمه ﴾ حال من الفاعل وهو انثى أى إلا ملتبسة بعمله بها علما كليا بذتها وجنينها ، واحوالها كلها .

﴿ وَمَا يُعمَّر مِن مُعمَّر ﴾ المعمر لا يزاد عمرا آخر ، ولا يوجد تعميره الحاصل ، لأن ايجاد الموجود بعد وجوده تحصيل للحاصل وهو محال ، فاما أن يكون يعمَّر بمعنى الماضى ، أى ما عمر من حصل تعميره ، أى فكذلك التعمير الماضى إلا بعلمه ، وإما أن يكون معمَّر بمعنى من شأنه التعمير ، أو مآله اليه ، ومن ذلك حديث : « من قتل قتيلا فله سلبه » ومن مجاز المآل مثل : ﴿ إنى أرانى أعصر خمرا ﴾ ﴿ ولا يُنْقص من عُمُره ﴾ لهاء عائد الى معمر المذكور لفظا مرادا بها غيره ، معنى على طريق الاستخدام ، أى من عمر معمر آخر ، كدرهم ونصفه ، وذلك استخدام حقيق لا شيبه به ، ويجوز تقدير مضاف أى من عمر مثله ، والمزيد فى عمره لا يكون منقوصاً من عمره ، ومعنى تعمير المعمر إطالة عمره ، ومعنى نقص العمر خلقه قصيرا من أول كقولك : أطل البناء ووسع فم البئر ، أى اجعل البناء من أول أمره على الاطالة ، واجعل فم البئر واسعا من أول .

ويجوز عود الهاء الى المعمر تحقيقا بدون استخدام ، على أن المعمَّر صاحب العمر مطلقا طال أو قصر ، أى لا يجعل لصاحب العمر عمره طويلا ، ولا ناقضا إلا بعلمه ، أو على أن النقص بمعنى المضى من بعض عمره ، مثل لحظة وساعة ، ويوم وشهر وسنة ، أو على معنى أنه إن فعل كذا طال عمره ، وان لم يفعله نقص ففعله فيطول أو لا يفعله فينقص ، وقد قضى الله قبله أن يفعله ، أو قضى أن لا يفعله ، وهو تعالى لا يجهل ولا يتغير قضاؤه ، ولا يحدث له علم ، لأن علمه أزلى عام لا يخرج عنه شىء ، فبذلك جاز الدعاء بطول العمر للمتأهل له ، وبنقصه للمتأهل له ، والأجل واحد مبرم ولا يتغير ، ويحتمل تفسير إطالة العمر بابركة ، ونقصه بعدمها ، قيل : أو على أنه لا ينقص من عمر المعمر لغيره ، فمعمر بمعنى مبقى على عمره ، وفيه أنه يقتضى أنه قد ينقص من عمره لغيره بعلمه تعالى ، وهو محال ، ولعل قائله أراد أن البقاء على المعر ، وعدم النقص منه للغير متصور بعلمه ، وقيل : الهاء للمنقوص من عمره ، ولو لم يجر له ذكر للعلم به ، أى لا ينقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصا .

٣٬٧٩١ / ٦٬٠٩٣