92
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٨﴿ وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ فيما أَمر به الله ورسوله ، ﴿ واحْذَرُوا ﴾ المخالفة في أَمر الله ورسوله وفيما نهى الله ورسوله عنه كالخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام ، فهذا تأْكيد لتحريمهن بذكر الله ورسوله معاً وتكرير الإِطاعة وذكر الحذر تعميماً لهن ولغيرهن ، وزاد تأكيداً آخر بقوله : ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الإِطاعة والحذر فجزاؤكم علينا لا على الرسول ، ولم تضروا بتوليكم الرسول ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ ﴾ أَى تحصيل البلاغ للوحى ، فهو مصدر ، أَو التبليغ فهو اسم مصدر ، وقد بلغ فما ضررتم إِلا أَنفسكم ، ولما أَلفوا الخمر تحرا وشرباً وإِزالة اللهم بشربها كان تحريمها تدريجاً فنزل قوله تعالى ﴿ يسأَلونك عن الخمر ﴾ إلخ فتركها بعض تحرجاً عن إِثما وبقى بعض على منافعها ، فنزل ﴿ لا تقربوا الصلاة وأَنتم سكارى ﴾ فتركها بعض وقال بعض نشربها ونقعد في بيوتنا حتى لا نضر أَحداً ، وشربها بعض حين لا تضر بالصلاة حتى نزلك إِنما الخمر ، إِلى فهل أَنتم منتهون ، فقالوا : انتهينا يا ربنا ، وذلك سنة ثلاث من الهجرة ، فقال أَبو بكر وغيره : كيف حال من مات وقد شربها وأَكل الميسر من المؤمنين يا رسول الله ، فنزل قوله تعالى :
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الأَحياءِ والأَموات ﴿ جَنَاحٌ فِيمَا طَعمُوا ﴾ أَكلوا مما لم يحرم ، ولو حرم بعد كالخمر والميسر ، والطعم شامل للشرب كقوله تعالى ومن لم يطعمه -أَى الماء فإِنه منى ، وقيل نزلت الآية في الرد على الذين أَرادوا الترهب وقد مر ذكرهم ﴿ إِذَا ما اتَّقَوْا ﴾ نزل تحريمه عليهم ﴿ وآمَنُوا ﴾ وثبتوا على الإِيمان ، أَو ازدادوا إِيماناً ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ثبتوا على عملها ، أَو ازدادوا منها ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ ما حرم بعد ، وهم أَحياء كالخمر والميسر ﴿ وآمَنُوا ﴾ بتحريمه ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ داموا على اتقائهما واتقاءَ سائر المعاصى ، والجناح في ترك الاتقاء والإِيمان وعمل الصالحات لا فى تناول المباح عند الترك لذلك ، فقوله إِذا ما اتقوا إِلخ لم يذكر لتقييد نفى الجناح عنهم بتحقق الإِيمان والتقوى والعمل الصالح ، بل ذكر لمحهم فإِنه تم جواب سؤال : كيف حال إِخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأْكلون الميسر فى قوله طعموا بدليل ﴿ وَأَحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المحْسِنينَ ﴾ فإِنه لا يناسب الختم به كون قوله إِذا ما اتقوا إِلخ قد نفى الجناح بتحقيق الإِيمان وما بعده ، ويحتمل أَن يكون التكرير باعتبار ما قبل زمان تحريم الخمر والميسر وزمان تحريمهما وما بعد تحريمهما ، أَو زمان الشباب وزمان الكهولة وزمان الشيخوخة ، أَو زمان ابتداء الإِيمان وزمان الوفاة وما بينهما . والمراد أَحسنوا على الاستمرار والثبات على الاتقاءِ ، والترتيب في ذلك باعتبار الزمان ، ويجوز أَن يكون باعتبار الرتبة؛ لأَن الثبوت على الشئ فوق إِحداثه قال :