تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

106

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٩

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنَكُمْ ﴾ أَى عليكم شهادة بينكم ، أَو فيما أَمرتكم به شهادة بينكم ، أَو فرضت شهادة بينكم ، فاثنان بعد تقدير يشهد اثنان أَو ليشهد اثنان بلام الأَمر ، أَو هو فاعل شهادة ، أَو شهادة بينكم اثنان ، أَى شهادة اثنين أَو أَهل شهادة بينكم اثنان ، وأَضيفت الشهادة إِلى البين باعتبار جريانها بينهم ، أَو باعتبار تعلقها بما يجرى بينهم من الخصومات ، والمراد بالشهادة ظاهرها أَو الإِشهاد ، والمعنى على الأَول إِخبار أَحد بحق على أَحد أَو حضور وصية المحتضر . وعلى الثانى إِشهاد المحتضر عدلين على ما يوصى به ، أَو إِحضارهما للشهادة ، وقيل الشهادة بمعنى الهود كرجل عدل . ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموْتُ ﴾ أَى حضره مبدؤه بحسب ما يظهر فهو حضور حقوق ، وإِن أُريد الموت التام فالمعنى إِذا قاربه وظهرت أَمارته ، وإِذا متعلق بشهادة خارج عن الشرط والصدر . ﴿ حِينَ الوَصِيَّةِ ﴾ بدل من إِذا كما أَبدل ﴿ يومئذ يتذكر الإِنسان ﴾ من ﴿ إِذا دكت الأَرض ﴾ أَو متعلق بحضر أَو بالموت ، وفى الإِبدال تنبيه على أَن لا يتهاون بالوصية إِذ جعل زمانها حضور الموت ، والوصية كالموت لا تتخلف عن ذلك الزمان كما لا يتخلف الموت ، والوصية بمعنى الإِيصاء ﴿ اثْنَانِ ﴾ وصيان اثنان أَو شاهدان اثنان وجه الأَول أَن الآية نزلت فيها ، ولقوله فيقسمان ، والشاهد لا يحلف إِلا أَن الأَصل أَن لا يتعدد ولكن عدد تأْكيداً أَو منكم معشر المسلمين ، كذا قيل ، وفيه أَنه لم يجر للمشركين ذكر سوى مقابلته بعد قوله من غيركم ، ومنكم نعت ثان لاثنان أَو حال ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من غير أَقاربكم فلا مدخل للمشركين فى الشهادة لمسلم أَو عليه ، أَو من غيركم معشر المسلمين وهم المشركون ، ومعنى عدالة المشركين تحرزهم عن الكذب كما تقبل شهادة قوم غلبونا أَو غلبناهم على الصحيح إِذا كانوا عدولا في مذهبهم . ثم نسخت إِجازة شهادة المشركين لما كثر المسلمون ، وسواء أَهل الكتاب وغيرهم ، ولو نزلت في قصة أَهل الكتاب وإن وجدتم المسلمين فاستشهدوهم لا المشركين ، قال شريح C : وإِنما جازت قبل النسخ فى السفر لأَنه مظنه الحاجة إِليها كما قال . ﴿ إِن أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الأَرْضِ ﴾ أَى سافرتم ، وقيل لم تجز شهادة المشركين على المسلم أَو له قط فضلا عن أَن تنسخ ، وقيل جائز عند السفر للضرورة بلا نسخ ، وعن أَبى موسى الأَشعرى أَنه حكم حين كان والياً على الكوفة بمحضر من الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما فى وصية مسلم فى السفر ، وبه قال أَحمد ، والأَصل إِن ضربتم فحذف ضرب الأَول وانفصل فاعله المتصل ، وكذا كلما حذف العامل فى المستتر أَو المتصل وحده انفصل الضمير ، وذلك قيد لقوله أَو آخران من غيركم ، والقيد الآخر حضور الموت ، أَو قيد للمسأَلة كلها إِرشادا للمصلحة ، كما أَنه يجوز أَن يراد بغيركم غير أَقاربكم وهم مسلمون أَجانب ، وجملة شهادة بينكم إِلخ إِخبار بأَن الأَمر الشرعى ما ذكر ، أَو بمعنى الأَمر ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الموْتِ ﴾ قاربتم الموت ، ويجوز أَن يكون إن أَنتم ضربتم كلاماً غير قيد لما قبله ، وإِن أَنتم ضربتم في الأَرض فأَصابتكم مصيبة الموت فأَوصيتم إِلى اثنين عدلين في ظنكم وجمعتم إِليهم ما معكم من المال ثم متم ، وذهب الاثنان إِلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أَمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم أَن تحبسوهما من بعد الصلاة استيثاقاً منهما ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ توقفونهما عن الذهاب حيث شاءَا ، نعن لآخران ، أَو جواب سؤال يفرض كأَنه قيل كيف نعمل بالشهادين إِن ارتبنا فقال تحبسونهما ﴿ مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ ﴾ صلاة العصر المعهودة للتحليف عندهم؛ لأَنه وقت اجتماع وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار ، ولتكثر الشهود ، ولأَن جميع الملل يعظمون هذا الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب ، وقال الحسن : صلاة الظهر أَو العصر؛ لأَن أَهل الحجاز يقعدون للحكم بعدهما ، وقيل أَى صلاة لأَن الصلاة داعية إِلى الصدق ومجانبة الفحشاء والمنكر ، وقيل من بعد صلاتهما على أَنهما مسلمان ﴿ فَيُقْسِمَانِ ﴾ يحلفان ﴿ بِاللهِ إِن ارْتَبْتُمْ ﴾ ارتاب الوارث ، والمراد الجنس الصادق بالواحد فصاعدا ، أَو خاطب المسلمين عمومكاً لأَن الورثة منهم ويجرى الحكم على أَيديهم ، أَو إِن ارتبتم معشر الورثة الواحد فصاعدا ، والارتياب يتصور بالخيانة من الشاهدين أَو بأَخذهما شيئاً من التركة ، وجواب إِن أَغنى عنه تحبوسونهمتا ويقسمان بالله وجواب يقسمان هو قوله ﴿ لا نَشْتَرِىِ بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ وإِن لم ترتابوا فلا حلف ، وهاء به قيل عائدة إِلى الله أَى لانشترى بيمين الله ، وقيل : إِلى الإقسام أَى الحلف المعلوم من قوله يقسمان ، وقال الفارسى : إِلى تحريف الشهادة ، وهو أَقوى من حيث المعنى لأَنه أَليق باجابة القسم لأَنه المقام للحلف على ما بأَيديهما ، والصدق فيما قالا في شأنه ، قيل إِلى الشهادة والتذكير لأَن فيها معنى القول ، وأَما إِذا عادت إِلى الله أَو إِلى الإِقسام فلا تكفى جملة لا نشترى جواباً بل يقدر الجواب وتكون الجملة مفعولا به لقول مقدر هكذا ، فيقسمان بالله إِن ارتبتم إِنا لصادقان فيما قلنا في شأن المال أَو فى أَمر الوصية ما خنت فى المال الذى بيدى ، ويقولان لا نشترى أَو قائلين لا نشترى ، وحاصل ذلك أَن الجملة مستتبعة لجواب القسم لا نفس الجواب .

٨٥٩ / ٦٬٠٩٣