12
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٤« أَن الله تعالى كتب كتاباً لنفسه قبل أَن يخلق السموات والأَرض فوضعه تحت عرشه فيه : رحمتى سبقت غضبى » ومعنى كتبه بيده : كتبه بقدرته ، والمراد التكوين وأَنه لم يكتبه ملك ، ومعنى سبق رحمته كمالها على الغضب وقوتها . وقال سلمان ، عن رسول الله A : « إِن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والأَرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السموات والأَرض ، فجعل منها رحمة في الأَرض فيها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش بعضها على بعض ، فإِذا كان يوم القيامة أَكملها لهذه الرحمة » ، رواه مسلم . قال عبد الله بن عمرو بن العاص أَن الله تعالى مائة رحمة أَهبط منها رحمة واحدة إِلى أَهل الدنيا يتراحم بها الجن والإِنس وطير السماء وحيتان الماء ، ودواب الأَرض وهوامها وما بين الهواء ، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة حتى إِذا كان يوم القيامة حولها إِلى ما عنده فجعلها فى قلوب أَهل الجنة وعلى أَهل الجنة ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ أَيها الناس كلكم ، وقيل أَيها المشركون ، كما أَن الكلام فيهم ﴿ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ فيجازيكم ، أَى والله ليجمعنكم ، أَو جواب لقوله كتب على نفسه الرحمة ، لأَن معناه التأكيد ، والتأكيد قسم ، وعلى هذا فلا يقدر والله ، ويجوز أَن يقدر والله ليجمعنكم بدلاً من الرحمة بدل بعض ، ولا يحتاج لربط لأَنه جملة ، أَو كل ، وعليه فتكون الرحمة إِمهال أَهل الشرك وإِمدادهم بالرزق عن معاجلة العذاب قبل يوم القيامة . إِنه لو شاءَ لبعثهم قبل يوم القيامة وأَدخلهم النار ، ول شاءَ لعجل العذاب فى الدنيا ولعلهم يتوبون كقوله ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ إِنه من عمل الآية إِلا أَن المتبادر من الرحمة أَن لا تحمل ذلك الإِمهال خاصة ، وإِن جعلناها رحمة الآخرة للكفرة قدرنا إِن أَسلمتم ، وفيه تعسف ، والكلام وعيد على الإِشراك وإِهمال النظر ، وذكر للرحمة بالإِمهال كما رأيت ، ومعنى الجمع إِلى يوم القيامة الجمع لهم فى القبور وما ينزل منزلتها ، أَى لا يزال يجمعهم إِلى يوم القيامة ، فإِذا جاءَ وقت القيامة بعثهم فلم يتكلم على البعث إِلا بذكر القيامة ، أَو معنى جمعهم إِلى حساب يوم القيامة ، أَو معناه إنهاؤهم وإبلاغهم فيها إِلى ذلك الوقت ، أَو إِلى بمعنى فى ، أَى يجمعهم فى يوم القيامة ، ولا بأس بتفسير حرف بمعنى حرف آخر لداع ولو كان ذلك المعنى غير مقيس فيه ، أَو المعنى يجمعهم لأَجل ذلك اليوم ، كظاهر قوله تعالى ﴿ جامع الناس ليوم ﴾ إلخ . . . والجملة حال مؤكدة من اليوم ، والضمير لليوم ، أَو نعت لمصدر محذوف ، عاد غليه الضمير ، أَى جمعاً لا ريب فيه ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أَى لا شبهة فيه ، ولو جحد من جحد مع علمه ، وشك من شك ، والهاء للجمع المعلوم منيجمع أَو ليوم القيامة ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أَجسامهم ، وخسرانها أَن تكون فى النار وفى العذاب قبل النار أَيضاً ، وذلك بتضييع الإِسلام الذى ولدوا عليه ، وإِهمال العقل عن النظر ، أَى ذم الله الذين خسروا أَنفسهم ، أَو هم الذين خسروا أَنفسهم ، أَى هؤلاء القائلون