38
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٦﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ ﴾ أَى وما من دابة تمشى فى الأَرض ، كما ذكر يطير فى مقابلها ، وسواء علقنا فى الأَرض بتمشى أَو بدابة أَو بمحذوف نعت لدابة ، أَى ثابتة فى الأَرض ، وذكر الأَرض زيادة فى الاستغراق ، أَى فى قطر ما من أَقطار الأَرض وفى ظهرها وجوفها ، وقال السكاكى ذكر فى الأَرض مع دابة ويطير بجناحيه مع طائر لبيان القصد بدابة وطائر الجنسين وتقريرهما ﴿ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَأحَيْهِ ﴾ أَى فى الهواء كما ذكر فى الأَرض فى مقابله أَى فى ناحية من نواحى الجو فلزيادة هذا الاستغراق ، وذكر يطير بجناحيه . وأَيضاً ذكره لئلا يتوهم أَن المراد بالطيران السرعة على التجوز ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ ﴾ خبر دابة ﴿ أَمْثَالُكُمْ ﴾ بمعنى أَن كل نوع من أَنواع الدواب فى الأَرض وكل نوع من أَنواع الكير هو أَمة قدر الله على إِيجاده وإِبقائه ورزقه وحفظه وأَجله ، وكيف لا يقدر على إِ ، ال آية ، ومعنى المماثلة أَن سائر الحيوان مثلكم ، فكما أَقررتم على أَنفسكم بجريان قضاء الله عليكم فكذا أَجرى على غيركم ، وفى أنها تنسج كالعنكبوت ، وتدخر كالنمل وتعرف الله وتسبحه وتعبده ، ويألف بعضها بعضا ، ويفهم بعض عن بعض ، ويألف بعض بعضاً ، ويتعارف الذك والأُنثى ، ويتزوج الطير فى الربيع وتبعث للحساب ، وجمع الأُمة لإِرادة النوع كما رأَيت ، ولا يكفى أَن نقول جمع لأَن النكرة فى سياق السلب تعم . لأَن هذا بمجرده يفيد أَن كل فرد أمة وليس كذلك ، والمراد بالأَرض ما ليس بجو فشملت الماءَ فيدخل حيوان الماء ، فتنقله فى الماء كتنقل الحيوان فى الأَرض ، كما أَنها شاملة للجبال والشجر ، وذكر الطائر مع أَنه يدب فى الأَرض يادة بالطيران ، ولأَن من الطير ما خلق فى الهواء ولا ينزل للأَرَ ، وأَلحق بعضهم الحوت بالطير إِذ يسبح فى الماء كالطائر فى الهواء ، وذكر بجناحيه تأَكيداًن وقيل لئلا يتوهم أَن المراد بالطيران مطلق السرعة وهو توهم بعيد مع أَنه لا يقطع التوهم رأْساً لجواز أَن يكون ترشيحاً لطيران مستعار للسرعة ، ولو عملنا بهذا التوهم انفتحت إِليه كل حقيقة فتدخل فى المجاز ، وقيل ذكر فى الأَرض ويطير للدلالة على أَن المراد الاستغراق الكلى لا عموم دوام أَرض مخصوصة وطير جو مخصوص عموماً عرفياً ، وخص الأَرض دون السماء لأَنها المشاهدة ثم إنه لو لم يشكل عمومها بعضاً لجاز لأَن المراد الدلالة على كمال القدرة ولو بذكر أَحوال بعض الممكنات ، أَلا ترى أَنه لم يذكر ما يدب فى السموات ﴿ مَا فَرَّطْنَا ﴾ ضيعنا أَو تركنا ﴿ فِى الْكِتَابِ مِنْ شَئٍ ﴾ ما ضيعنا شيئاً بترك كتابته فى اللوح المحفوظ ، وسمى محفوظاً لأَنه حفظ عن الشيطان ، ومن تغيره ، ولا خفاء فى العموم الحقيقى بخلاف ما إِذا فسرنا الكتاب بالقرآن فالعموم فيه عرفى بحسب ما يحتاج إِليه المكلف ، إِما تفصيلا وإِما إِجمالا يفصله على لسان رسوله A ، أَو بالقياس ، أَو بحسب الإِيماء ، أَلا ترى إِلى قوله D