تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

18

الجزء ٢ · صفحة ٤٠٤

، وأَحكام القرآن تعم كل من بلغه ، ولا يؤخذ بها من لم تبلغه إِن كان على دين نبى ، والآية دليل على أَن أَحكامه تعم من يأْتى إِلى يوم القيامة ، فقالت الحنابلة ذلك بطريق العبارة فى الكل ، وقالت الحنفية بالإِجماع فى غير الموجودين حال النزول ، وروى أبى بن كعب أَنه أَتى A بأَسارى فقال : هل دعيتم إِلى الإِسلام ، فقالوا : لا ، فخلى سبيلهم ، وقال النحام بن زيد قردم بن كعب وبحرى بن عمروك يا محمد ما نعلم مع الله إِلهاً غيره ، فقال A : « لا إِله إِلا الله ، بذلك بعثت ، وإِلى ذلك أَدعو » ، فنزل قوله تعالى ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴾ إِنكاراً لصحة الشهادة وتصريح ببطلانها ، وذلك تقريع لهم واستبعاد وتوبيخ وإِلجاء إِلى الإِقرار بأَنهم أَشركوا ولا يجدون إِنكارا لإِشراك ﴿ قُلْ لاَ أَشْهَدُ ﴾ بأَن مع الله آلهة أُخر ، ولا إِلهين معه ، ولا إِله معه ، أَى لا أَشهد بالشركة ، فإِن المعبود لا يتعدد وإِنما ذكر الله سبحانه وتعالى تعدد الآلهة لأَنه معتقدهم ﴿ قُلْ إِنَّمَا هُوَ ﴾ أَى الله ﴿ إِلهٌ وَاحِدٌ ﴾ لا إِله معه ، وإِنما للحصر وما كافة ، ويجوز أَن تكون موصولة أَو موصوفة بجملة هو إِله ، فيكون خبر إِن هوقوله واحد ، أَى إِن الشئ الذى هو إِله هو واحد لا متعدد ، أَو إِن شيئا هو إِله هو واحد لا متعدد ، ومع ضعف الوجهين ورجحان كون ما للحصر كما هو المتعين فى قوله تعالى ﴿ إِنما الله إِله واحد ﴾ قد يكونان أَليق بما قبل لأَن فيهما مساق الحجة والبرهان ، أَى لا أَشهد لأَن ما استحق الأُلوهية لا يقبل التعدد ﴿ وَإِنَّنِى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ أَى من إِشراككم ، أَ من أُلوهة ما تشركونه من الأَصنام ، ويستحب لمن أَسلم أَولا أَو كرر الشهادة أَو يقول عقب ذلك وإِننى برئٌ من الإِشراك ومن كل دين سوى دين الإِسلام ، ولما أَنكر اليهود والنصارى أَن يكون لرسول الله A ذكر أَو صفة فى التوراة والإِنجيل ولا غيرهما بالنبوءَة وأَنكروه نزل قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أَى يعرفون رسول الله A فى التوراة والإِنجيل بأَسمائه وصفاته ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ أَنهم أَبناؤُهم بمعاينة الولادة أَو المعاشرة أَو الشبه بهم ، ولما قدم رسول الله A المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام رضى الله عنه : أَنزل الله هذه الآية فما هذه المعرفة؟ فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حيث رأَيته كما أَعرف ابنى ، ولأَنا أَشد معرفة بمحمد صلى الله عليه ولم منى بابنى ، لأَنى لا أَدرى ما صنعت النساء ، ويروى : ما أَحدثت أمه ، ويروى : ما فعلت اليهودية ، وأَشهد أَنه حق أرسل من الله تعالى ، ويجوز عود هاء يعرفونه للقرآن لتقدم ذكره ، وعودها للتوحيد العلوم من قبل ، فيكون فيه تعريض بشرك أَهل الكتاب بإِنكار نبوءَة رسول الله A ، وإِنكار القرآن كما أَشركت النصارى بالمسيح وأُمه ، واليهود بعزير ، وغير ذلك ، وعودها إِلى كتابهم ، أَو إِلى ذلك كله بتأْويل ما ذكر ، والمتبادر ما مر أَولا ، ولا سيما أَن تشبيه الإِنسان بالإِنسان أَولى من تشبيه غير الإِنسان بالإِنسان ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ من أَهل الكتاب وغيرهم مبتدأ خبره قوله ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ زيد فيه الفاء لشبه الذين باسم الشرط أَو نعت للذين آتيناهم الكتاب ، أَو يقدر هم الذين ، أَو أَذم الذين ، وعلى الثلاثة الآخرة الفاء عاطفة على الجملة الاسمية قبل ، ولا سببية فى الفاء ، وهو قليل ، وإِن عطفنا على خسر فوجه السببية أَن خسروا بمعنى ضيعوا النظر بعقولهم ، أَو قضى عيهم بتضييع ما لهم فى الجنة ، فانتفى إِيمانهم ، وهذا الوجه هو وجه السببية فيما إِذا جعلنا الجملة خبرا للذين .

٩٠٤ / ٦٬٠٩٣