68
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٢﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آياتِنَا ﴾ يتكلمون فيها بسوء كتكذيب بها واستهزاء وطعن ، كقولهم أَساطير الأَولين وسحر وتعليم بشر ، وقيل : المراد أَهل الكتاب ، ولا بأْس بالتفسير بكل ذلك ، وأَصل الخوض فى الشىء مطلق الشروع خيراً أَو شراً ، وقيل : أَصله فى الماء ، وقيل أَصله أَن يكون على وجه العبث واللعب ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ بالقيام عنهم حتى لا تسمعهم ، أَو بالذهاب عنهم إِن لم تقعد بدليل فلا تقعد بعد الذكرى ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا ﴾ حتى يشرعوا ﴿ فِى حَدِيثٍ ﴾ غَيْرِهِ } ما فيه لعب ولهو ولا سوء بدليل أَن الإِعراض عنهم لأَجل السوء ونحوه ، فهذا الخوض الأَخير جىءَ به على أَصل اللغة ، والأَول على مستعمل الشرع فى الخوض ، أَو عبر به للمشاكلة ، والهاء فى غيره للآيات لأَنها بمعنى القرآن أَو الوحى أَو الحديث ، والقرآن يطلق على البعض كما يطلق على الكل ، والآية تعم أَن القعود مع أَهل السوء فى حال عمل السوء لا يجوز ولو مع نهيهم ، وإِذا خرجوا عن السوء إِلى شىء غير سوء جاز القعود معهم ، ولو لم يتوبوا إِلا إِن كان القعود لضرورة لا بد منها فيجوز القعود حال السوء حتى يقضى حاجته ، فيقوم وينهى عن ذلك ، إِن قدر ولا دليل للحشوية فى الآية على منع الاستدلال فى ذات الله وصفاته ، ولا لمن منع القياس لأنها فى منع الخوض بالسوء ، بل عى دليل على الجواز لقوله ﴿ حتى يخوضوا فى حديث غيره ﴾ فلو خاضوا بغير سوء لجاز السماع إِليهم ، وأَيضاً قعد A إِلى قوم يتذاكرون فى التوحيد ، وقال : بهذا أَمرنى ربى ، وتذاكرهم لا يخلو عن استدلال ومناظرة ﴿ وَإِمَّا ﴾ إِن الشرطية وما التأكيدية ﴿ يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ﴾ يشعلك بوسوسته حتى تنسى أَنك مأْمور بالإِعراض ويضيق صدرك ، أَو قعدت معهم ، فالإِنساء عبارة عن ملزومه أَو سببه ، وهذا كقوله : وما أَنسانيه إِلا الشيطان . وقوله : فأَنساه الشيطان ، وفى الكلام حذف ، أَى وإِما ينسينك الشيطان فى حال القعود معهم ابتداء أَو بقاء حال الخوض بالسوء إِنك مأْمور بالقيام عنهم ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ ﴾ معهم أَى لا تلبث معهم قائماً ولا قاعداً ولا مضطجعاً ، فالقعود مقيد استعمل فى المطلق ﴿ بَعْدَ الذِّكْرَى ﴾ أَى التذكر للأمر بالإِعراض ﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ ﴾ مقتضى الظاهر معهم لكن ذكرهم بخصوص أَنهم فريق ظالمون تشنيعاً عليهم بوضع التكذيب فى موضع التصديق والاستهزاء فى موضع الاستعظام ، عبر أَولا بإِذا لأَنه A معترف بأَنه يراهم يخوضون وثانياً بأَن لأَنه يشك أَن ينسى ، والخطاب فى رأَيت وينسينك ، وأَعرض ، وتقعد ، له A لصحة تلك الرؤية منه ، وإِمكان الإِنساء وقيل له والمراد غيره ، وقيل لمن يصلح لذلك ، والرؤية بصرية والحال محذوف ، أَى إِذا رأَيت الذين يخوضون خائضين ولا يغنى عنها ذكر الذين يخوضون لأَنك قد ترى ذات الخائض ولا تدرى أَنه يخوض لبعدك أَو غفلتك ، والمراد تراه بعنوان أَنه يخوض ، ويضعف أَن تكون علمية حذف ثانيها للعلم ، أَى : وإِذا علمتهم خائضين فى وقت حضرته معهم فأَعرض عنهم فيه ، ويضعف أَن يكون المعنى إِن أَنساك الشيطان قبح مجالستهم حال الخوض لأَنه مما يعلم بالعقل قبل نزول تحريمها ، فلا تقعد معهم حال الخوض بعد التذكير منا بالتحريم ، فهو تأْكيد لما قبله من قوله : وإِذا رأَيت ، ونحن لا نقول بالحسن والقبح العقليين بل المعتزلة ، ولكن يعلمه من سائر الآيات فى مجانبة كفر الكافرين بواسطة العقل ، ويجوز الجلوس معهم حال الخوض للتعليم والنهى ، والنبى A ينسى فى أَمر الدنيا ولا ينسى أَمر الدين قبل تبليغه إِجماعاً ، فيما قيل .