القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧المعصية، فالمؤمنون الذين تستغفر لهم الملائكة هم: ( الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم )(36) ، على أن في تتمة نفس الآية التي استدلوا بها بيان وصف المؤمنين الذين تستغفر لهم الملائكة وذلك قوله عز وجل: ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك )(37) ، وهل من أتباع سبيل الله الإصرار على الكبائر وعدم المبالاة بحرمات الله تعالى؟
أما قول الفخر: ( إن هذا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص )(38) ، فهو مردود بأنه ليس في هذا تخصيص لعموم وإنما هو حكاية لنص استغفار الملائكة، ويستفاد منه – كما يستفاد من سائر الأدلة – أن المؤمنين حقا هم الذين لا يخافون المعاصي، فإذا وقعت من أحدهم هفوة بادر إلى التوبة والاستغفار. ومنه الأحاديث المروية في الشفاعة كحديث: ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )، وحديث: ( ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ).
وجواب ذلك أن هذه الأحاديث روايتها آحادية فلا تفيد إلا الظن في مدلولها، والاعتقاد ينبني على اليقين دون الظن، فلذلك لا يكون إلا ثمرة النصوص المتواترة دون الظواهر القابلة للتأويل ولو تواترت، ودون ما كان طريق روايته آحاديا وإن يكون نصا على أن ظاهر هذه الروايات الذي استندوا إليه متعارض مع النصوص القاطعة من الكتاب، وهي لا تقوى – لا من حيث المتن ولا من حيث الدلالة – على معاضة هذه النصوص، فيجب إما إسقاطها وإما تأويلها بما يتفق معها وذلك أن يحمل المراد من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )، على التائبين ممن قارف الكبائر دون المصرين، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يشفع لهم عند الله لأجل قبول توبتهم وحط أوزارهم، وعليه فيتضمن قوله صلى الله عليه وسلم ذلك حضهم على التوبة وإطماعهم في المغفرة، وإبعاد