عدم جدوى الشفاعة لغير الصَّالحين
الجزء ٣ · صفحة ٢١٣عدم جدوى الشفاعة لغير الصَّالحين
وهذه الآية - كما ترون - قاضية بعدم قبول الشفاعة يومئذ وهو الذي تقتضيه أختها آية ( 123 ) وإن عبر فيها بـ( لا تنفعها شفاعة ) لأن النفع ثمرة القبول ولازمه، فلو قبلت نفعت، كما أنها إذا لم تقبل لم تنفع، وهذه كلية من كليات العقيدة الإسلامية الحقة جاء بها القرآن في آيات متعددة ليثبت أن الإنسان يومئذ رهين عمله ولا يجني إلا ما زرع، وهو بذلك يقطع حبال الآمال على الكسالى الذين يمنون أنفسهم الجني من غير غرس، والراحة من غير نصب فيعطون أنفسهم هواها، فلا يصدونها عن حرمة، ولا يكلفونها واجبا آملين السعادة بشفاعة الشافعين، وبمجرد الانتماء إلى الدين، وإن لم يكن له شيء مما يصدقه مما يعملون، وعقيدة الإسلام التي جاء بها القرآن والسنة الصحيحة الثابتة إنما تقوم على اعتبار استقلال كل فرد في التكليف، فلا ينفع فاسدا صلاح غيره، كما لا يضر صالحا فساد سواه، ومن هنا كان كل أحد مطالبا بإصلاح نفسه، وتقويم انحرافها، وحملها على الخير والنأي بها عن الشر، وإلا فلا يلومن غيره فإنه هو الذي جنى عليها، وبمجرد نظرة يلقيها اللبيب على آي القرآن الكريم يجد هذه الكلية الإعتقادية السليمة جلية بارزة، ومن أمثلة الآيات التي جاءت بها قوله تعالى: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا )(1) ، وهذا الخطاب لهذه الأمة، والسوء على إطلاقه فإنه نكرة في معرض الشرط، وقوله سبحانه: ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون )(2) ، وقوله: ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها )(3) .
أما الشفاعة فقد ذكرت تارة بالنفي المطلق، كما في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما