القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٦يشوبه إصرار على العصيان، وقد سبق بيان ذلك مع ذكر جانب من الأدلة التي تقتضيه في تفسير قوله تعالى: ( الذين يؤمنون بالغيب). ولو كان الإيمان المفهوم هنا هو مجرد التصديق ولو لم يقترن به عمل لما عذب الله أحد بكبيرة غير الشرك، وذلك ينافي ما جاء من الوعيد على أنواع مختلفة من المعاصي.
ومنه قوله تعالى: ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )(32) ، وقد أمر الله المؤمنين أن يحيوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والتسليم في قوله: ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)(33) ، فلم يكن بد من الرد وما هذا الرد إلا دعاؤه صلى الله عليه وسلم لهم بالرحمة، ودعاؤه مستجاب، فثبت بذلك شفاعته لهم.
وجوابه أن دعاءه عليه أفضل الصلاة والسلام أعم من أن تكون بالرحمة فحسب، فقد يكون بها أو بالهداية، والرحمة لا يلزم أن تكون أخروية على أن القضايا الإعتقادية لا تثبت بالاستنباط وإنما تثبت بالأدلة القطعية كما تقدم، وأين النص القطعي هنا؟
ومنه قوله تعالى: ( ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما )(34) ، ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى لم يذكر فيها التوبة، وهي دالة على أنه صلى الله عليه وسلم متى استغفر للعصاة والظالمين غفر الله لهم وهذا يدل على قبول شفاعته لأهل الكبائر في الدنيا وكذا في الآخرة لعدم الفرق.
وجوابه أن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم مشروط في الآية باستغفارهم لأنفسهم واستغفارهم هو عين التوبة، فمن أين أنهم يغفر لهم مع معصيتهم وظلمهم من غير أن يتوبوا؟
ومنه قوله سبحانه: ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا )(35) ،ووجه استدلالهم به أن مرتكب الكبيرة من جملة المؤمنين فهو داخل في الذين تستغفر لهم الملائكة، وإذا جازت له شفاعة الملائكة جازت له شفاعة النبيين.
وجوابه أن الإيمان الصحيح لا يجامع الإصرار على