القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة
الجزء ٣ · صفحة ٢١٨القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة
وقد قال بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة المرجئة والأشعرية والحشوية ومن حذا حذوهم، غير أنهم اختلفوا، فالمرجئة يرون أن المعصية لا تضر مع سلامة الاعتقاد أيا كانت بناء على أصلهم المشهور أن الإيمان قول بلا عمل، وأما الأشعرية والحشوية ومن حذا حذوهم فعندهم أن صاحب الكبيرة إما أن يعفو الله عنه أو يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم من العقاب رأسا، وإما أن يُدخل النار بقدر ما يصفى من أكدار الخطايا ثم ينتقل عنها إلى الجنة بعفو الله أو مع شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يخلد عندهم موحد في النار.
وذهب أهل الحق والاستقامة إلى أن من أصر على الكبيرة حتى مات عليها لا تجديه شفاعة أحد وأنه سيصلى النار خالدا فيها، ووافقهم على ذلك المعتزلة والزيدية والخوارج، غير أن الخوارج لا يفرقون بين كبيرة الشرك وكبيرة الفسق، فكل صاحب كبيرة عندهم مشرك.
واستدل أصحابنا ومن وافقهم بهذه الآية وأمثالها، ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه تعالى نفى فيها قبول الشفاعة من أحد لأحد ولو قُبلت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لذي كبيرة انتقض هذا المدلول المستفاد من هذا النص ويؤيد ذلك ما تقدمه من نفي جزاء نفس عن نفس شيئا، وما تبعه من قوله: ( ولا هم ينصرون )، إذ لو شفع صلى الله عليه وسلم لأحد من أولي الكبائر المستحقين لعقاب الله لكانت نفس جازية عن نفس وناصرة لها.
وأجاب من خالفهم بأن الخطاب في الآية لليهود فلا يدخل في وعيده المسلمون، وبأن الآية كما خصصت - باتفاق الكل - بجواز شفاعته صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في رفع درجاتهم عند الله لا يمنع تخصيصها بتجويز شفاعته عليه أفضل الصلاة والسلام لأهل الكبائر من أمته وإن ماتوا مصرين عليها.
والجواب على الأول بأن كون الخطاب في الآية لليهود لا يقضي بأم ما ذكر