جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون )58 , 59

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٤

وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ( سجدا ) رُكَّعا، وحمل بعضهم السجود على ظاهره، واعترض بأن السجود سكون، والدخول حركة فيتعذر أن يجتمعا، وقال الزمخشري أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا(18) ؛ واعترضه أبو حيان بأن ما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود، في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود، فالسجود ليس مأمورا به، بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنا دية، فتناقضتها إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييديا اسناديا لأنه من حيث التقييد لا يكتفي كلاما، ومن حيث الإسناد يكتفي، فطهر التناقض(19) ، ورده الشوكاني بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال أخرج مسرعا فهو آمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفا للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيودا مأمورا بها هو شيء زائد على مجرد التقييد(20) .

وللإمام ابن عاشور في هذا الأمر بالسجود تفسير يتلاءم مع ما ذكرته من قبل عنه في تفسير الأمر بدخول القرية، وحاصل ما قاله أن المقصود بالسجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كي لا يفطن لهم أهل القرية، وهو مما تقتضيه مهمة التجسس التي بُعثوا من أجلها، واستبعد أن يكون السجود المأمور به سجود شكر، لأنهم كانوا عيونا ولم يكونوا فاتحين، واستظهر مما جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على أستاههم أنهم أرادوا إظهار الزمامة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أمرهم يفتضح لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره(21) .

والحطة مصدر دال على الهيئة من حط يحط بمعنى أسقط، واختلف في المراد بها؛ قيل: إنها بمعنى حط الأوزار، وعليه فيقدر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، وهو تعبير عن طلبهم الله أن يحط أوزارهم، ولما كان هذا المصدر بصيغة فعلة، _

١٬٠٦٩ / ١٬٢٢٠