جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون )58 , 59

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٧

والعدول عن النصب إلى الرفع لما يفيده من الثبوت والدوام. وعدوا على امتثال ما أمروا به غفران الخطايا _ وهي جمع خطيئة _ وهو فوز كبير، ونعمة جُلى، ومطلب لكل عاقل، فبحسب الإنسان نعمة بالغة تكفير خطاياه الموبقة، وتنجيته من عواقبها المهلكة، ومع ذلك وعدوا زيادة في الأجر على الإحسان إن أحسنوا، وهو متحمل بأن يكون أجرا دنيويا بزيادة الفتوح والتمكين في أنحاء الأرض، أو أخرويا بزيادة الدرجات في الدار الآخرة، أو كلا الأمرين، وهو الظاهر، غير أنهم لشر منزعهم، وفساد طباعهم، وانحراف فطرهم بدأبهم على التمرد والعصيان أضاعوا هذه الفرصة، وزهدوا في ما وعدوا به، فانقلب الوعد وعيدا، وتحولت النعمة إلى نقمة، ذلك بأنهم كفروا نعمة ربهم، وهكذا تكون عاقبة الكنود الجحود، فقد بدل أولئك قولا غير الذي قيل لهم، وذلك أنهم دخلوا زاحفين على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، أخرج ذلك الشيخان وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا أنهم دخلوا يقولون: حنطة في شعيرة.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، وعن ابن عباس أنهم قالوا: حنطة، والروايات في ذلك متعددة، والجمع بينهما محتمل بأن يكونوا قالوا كل ذلك سخرية واستخفافا، وقد أخذ بهذه الروايات جمهور المفسرين، وخالفهم أبو مسلم الأصفهاني من المتقدمين، فحمل التبديل على مطلق المخالفة سواء دخلوا على غير الوجه المطلوب أو لم يدخلوا رأسا، لأن في كل ذلك تبديلا لما أمروا به، فهو تبديل لقول الله واستشهد لتفسيره هذا بقوله تعالى: ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله )(24) فإن التبديل المقصود هنا لا يُقصد به وضع كلمة مكان أخرى، وما هو إلا مجرد مخالفتهم لحكم الله، وانتقد الألوسي قول أبي مسلم وقال: ( ظاهر

١٬٠٧٢ / ١٬٢٢٠