وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61
الجزء ٣ · صفحة ٣١٢بالطيب )، وقد يجر المعمول الثاني بمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص:
وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعرض ويُعَدَّى إلى آخذ العرض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين ويُنّبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو كذا وبعد كذا، كقوله تعالى: ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً )(11) التقدير ليبدلنّ خوفهم أمنا، هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال.
قال: ( ووقع في الكشاف عند قوله تعالى: ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب )(12) ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه عُدِّى إلى المعلول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ، وكان المنصوب هو المتروك والمعطى، فقرره القطب في شرحه بما ظاهره أن بدَّل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفا لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المفعول الثاني بالباء، أحدهما يوافق استعمال تبدل، والآخر بعكسه، والأظهر عندي أنه لا فرق بين بدّل وتبدل واستبدل، وأن كلام الكشاف مشكل، وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة، ولا في كلامه نفسه في كتاب الأساس(13) ).
ولم أرَ في كلام الكشاف الذي أشار إليه ما ذكره من الإشكال فإنه لم يومِ إلى التفرقة بين بدّل وتبدل في الاستعمال الذي حرره الإمام ابن عاشور، وإنما أومى إلى ما بينهما من الفرق في المعنى تعقيبا على ما نقله عن السدي في تفسير تبدل الخبيث بالطيب بأنه جعل شاة مهزولة مكان سمينة، فأتبعه صاحب الكشاف قوله: ( وهذا ليس بتبدُّل وإنما هو تبديل )(14) . ومراده به أنه تبديل لمال اليتيم بوضع شيء مكان شيء، ولا يُستنتج منه ما قاله التفتزاني كما هو واضح لمن تأمل.
و ( أدنى ) أَفْعَلُ تفضيل من الدنوِّ وهو القرب، ويراد به قلة القيمة أو عدمها، لأن ما لا قيمة له مبتذل عادة، يمكن لأي يد أن تتناوله، بخلاف ما ارتفعت قيمته، فإنه يحفظ بعيدا عن تناول الأيدي ورؤية الأبصار، ومن ثم استُعمل الدنو