جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61

الجزء ٣ · صفحة ٣١٣

والبعد في ضعة القدر وعلوه، وحقارة الهمة وعظمتها، وقيل: من الدناءة بمعنى الرداءة والحقارة؛ وعليه فأصله أدنأ بالهمزة فخفف بإبدال الهمزة ألفا وعُضد بقراءة زهير الفرقبي ( أدنأ ) بالهمز، وهي من شواذ القراءات، وتوهم بعض أنها قراءة للكسائي، ومنشأ هذا الوهم أن زهير المذكور يقال له زهير الكسائي، فأثبت ذلك البعض واوا بين اسمه ونسبه ظانا أنها قراءته وقراءة الكسائي القارئ المشهور. أفاد ذلك أبو حيان(15) .

وقيل أصله أدون من الدون بمعنى القرب فقدمت النون وأخرت عنها الواو وأبدلت ألفا لتطرفها؛ وفي هذا القول والذي قبله تكلف واضح وخروج عن الجادة لغير داع.

ومهما قيل في أصل كلمة أدنى، فإن المراد ( بالذي هو أدنى ) ما طلبوه، والمراد ( بالذي هو خير ) ما كانوا أوتوه.

ولفظ ( خير ) للتفضيل، والخيرية المقصودة إما أن تكون باعتبار قيمة المن والسلوى، فإن البقول التي طلبوها لا تسوى شيئا بجانبهما، وإما لكونهما ساقهما إليهم نعمة خالصة، ففي أكلها استدامة لشكر الله بجانب كونه امتثالا لأمره، وبهذا يحصل لهم من الأجر والثواب بسببهما ما لا يحصل بغيرهما؛ وإما لخلوصهما من العناء والتعب، بخلاف ما طلبوه فإنه يستدعي الحرث والسقي والإصلاح والحصاد، وما كان خاليا من العناء فهو خير مما توقف عليه؛ وإما لأن الطبع أميل إلى ما كان ألذ وأطيب من المطاعم وغيرها، والبون شاسع في ذلك بين ما أوتوه وما سألوه، وإما لخلوص المن والسلوى من شوائب الحُرَمِ والشُّبَه، بخلاف تلك البقول لضرورة زرعها، والزرع يتوقف على البذر والأرض، وهما مما تدخله الحُرَمِ والشُّبَه، لإمكان غصبهما أو سرق البذر أو مرورهما بعقود غير جائزة شرعا، ولا يخفى فضل ما تيقنت حليته على ما احتمل الشبهة والحرام، وإما لأن المن والسلوى أعظم نفعا وأجدى عذاء للأبدان؛ وقد عد أبو حيان في بحره هذه الاعتبارات أقوالا، وأرى كونها وجوها أقرب لعدم تعارضها، وإن أوردها المفسرون

١٬٠٨٨ / ١٬٢٢٠