جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61

الجزء ٣ · صفحة ٣١٤

متفرقة، وأراها جميعا مقصودة بالخيرية.

والاستفهام للإنكار، والأمر بهبوط مصر تابع له، فمصدرها واحد وهو موسى عليه السلام ، خلافا لأبي حيان القائل بتقدير محذوف بينهما، أي فدعا موسى ربه قال: ( اهبطوا )(16) .

والتعبير بالهبوط لأن المقام إلى بلد كمن ينصب عليه .

والمصر البلد، وأصله الحدُّ بين الأرضيين، ويحكى عن أهل هجر أنهم كانوا يكتبون ( اشتري الدار بمصورها )، ومنه قول الشاعر:

وقيل هو مأخوذ من مصرت الشاة إذا حلبت كل ما في ضرعها، وسمى به القطر والمعروف، وأكثر أهل التفسير على أن المراد به هنا أي مصر من الأمصار، واستدلوا له بصرفه، ولو أريد به القطر المعروف لمنع الصرف كما مُنع في قوله تعالى: ( تبوءا لقومكما بمصر بيوتا )(17) وقوله: ( ادخلوا مصر )(18) ، وعليه فالمراد من أمرهم بهبوط مصر أن ما طلبوه لا يحتاج إلى دعاء فإن الله يسره لعباده في الأمصار، وما عليهم إن ابتغوا إلا أن ينزلوا مصرا من هذه الأمصار فيجدوا فيه طلبتهم.

وقيل: هو القطر المعروف، وهو الذي حكاه أشهب عن مالك، وعُضد أن في قراءة ابن مسعود بدون تنوين وأنه في مصحف أبيٍّ بدون ألف، وأصحاب هذا القول يحملون قراءة الجمهور على تنكير اللفظ وتعريف المعنى، كما يقول القائل: إإتني برجل، ومراده رجل بعينه، واضطربت هنا الأفهام فأرباب القول الأول رأوا أنه لا يمكن أن يكون المراد القطر المصري لعدم ثبوت عودة بني إسرائيل إلى مصر من التيه، والآخرون عارضهم بما في القرآن من توريث بني إسرائيل أموال فرعون وآله، وأدى هذا الاضطراب بالبعض إلى القول بأن المراد بمصر القرية المقدسة التي أمروا بدخولها، ومؤداه أنكم إن كنتم لا تبصرون على ما ترزقونه في هذا التيه فإنكم أنتم الذين أوقعتم أنفسكم فيه بالتكلؤ عن الجهاد، والتعنت على أمر الله، فما عليكم وأنتم تريدون الخلاص منه إلا أن تأتوا الأمر من طريقه، فتهبطوا إلى مصر الذي أمرتم فيه بمقاومة الجبارين فتكونوا

١٬٠٨٩ / ١٬٢٢٠