( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 62
الجزء ٣ · صفحة ٣٤١لهم نوره، وتجلى لهم إعجازه، ولا يفرطون فيما فرض الله عليهم من الإيمان والعمل، فهم حقيقون بما وعدهم الله به من الجزاء، وعليه فذكر الذين آمنوا للتنويه بالسابقين إلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذين كونوا من أنفسهم – مع قلة عددهم وضعف حالهم – أمة مستقلة في عقيدتها وعبادتها وأخلاقها، وللتحريص على اللحاق بهم، والاستبصار بنورهم، ومناسبة الآية قبلها- على هذا القول- أن الوعيد الشديد الذي صب فيما قبلها على اليهود صبا قد يلقي بهم في مضايق اليأس من روح الله، والقنوط من رحمته وعفوه لو لم يتبع بما ذُكر هنا من تبشير من آمن منهم عمل صالحا، وفي هذا دعوة لهم إلى الإقبال على ما أدبروا عنه من الحق، وتربية لنفوسهم العاتية بالترهيب تارة وبالترغيب أخرى، وفي ذكر الذين آمنوا وغيرهم ممن ذُكر معهم إيناس لوحشتهم وتسكين لروعهم وتحقيق لما ذكرته من قبل من عدل الله بين عباده.
وإطلاق لقب الذين آمنوا على هذه الأمة من باب العلمية الغالية وذلك لجمعها في الإيمان بين الرسالات جميع المرسلين: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه المؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله )(5) ، وإلا فهو وصف يصدق عليها وعلى كل الذين آمنوا بما أنزل الله من قبل من الأمم السابقة، وإنما مثل ذلك وصف الإسلام الذي يصدق على كل من أسلم لله تعالى، وهو بهذا الاعتبار يصدق على جميع أتباع المرسلين، ولذلك وصف الله به النبيين الذين يحكمون بالتوراة: ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا )(6) وحكى عن الحواريين قولهم: ( آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون )(7) ، وحكى مثله عن أهل الكتاب المتمسكين به وذلك قولهم: ( إنا كنا من قبله مسلمين )(8) ، وقال في قرية لوط: ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )(9) ، ومع ذلك فلفظ المسلمين مع إطلاقه يسبق إلى الذهن أنه ما أريد به إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإسلام جاءها على أكمل وجهه،