جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 62

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٢

وأنتم نوره، وأوسع أحكامه؛ وتصدير الذين آمنوا في الذكر للحكمة التي أشرت إليها من قبل؛ وبهذا الذي ذكرته ينجلي ما تصوره أكثر المفسرين من الإشكال في المراد بالذين آمنوا حتى اختلفوا في المراد بهم على أقوال.

منها أنهم المنافقون لأنهم آمنوا بألسنتهم وإن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وهو مروي عن سفيان الثوري، واقتصر عليه صاحب الكشاف وأبو السعود وعضده بقرينة انتظامهم في سلك الكفرة، وذكر أن التعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا أصلا، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا(10) .

وهو قول مرفوض إذ لم يُعهد وصف المنافقين في القرآن بالإيمان بل نفى الله عنهم الإيمان بقوله: ( وما هم بمؤمنين )(11) ، وقوله: ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )(12) ، وقوله: ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون )(13) .

ومنها أنهم الحنيفيون- وهم الذين فارقوا قومهم لما رأوهم عليه من الضلال وآمنوا بالحنيفية الحقة كزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، وقيس بن ساعده، وبه صدر القطب – رحمه الله- في التيسير وحكى غيره بصيغة قيل، وفي ذلك دليل على أنه مختارة.

وهو مورود بأن الحنيفيين منهم من مات قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وهو على الإيمان الذي هداه الله إليه، ومنهم من أدرك بداية نبوته عليه أفضل الصلاة والسلام فآمن من قبل أن يرسل، وهو ورقة بن نوفل رضي الله عنه ، ولم يبق منهم أحد، ولم يبق داع إلى مسلكهم في الإيمان، بعدما أنزل الله القرآن بالبينات والهدى، واتضحت للناس الحجة وانفتحت لهم أبواب الرشد مع أن ذكر الذين آمنوا في صدر الآية للتنويه بشأنهم والدعوة إلى منهجهم.

ومنها أنهم هم الذين نطقوا بالشهادتين لأن ذلك يسمى إيمانا في الظاهر مع غض النظر عن إقرار مضمونها في القلب وتصديهما بالعمل، واقتصر عليه القطب رضوان الله عليه في الهيميان، وهو كسابقه لأن الإيمان اللساني وحده لا اعتداد به عند

١٬١٠٠ / ١٬٢٢٠