جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) 62

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٣

الله حتى يطلق على أصحابه وصف الذين آمنوا.

وما ذكرته من أن أتباع النبيين كلهم يصدق عليهم وصف الإسلام والإيمان لا ينافي أن تكون لهم ألقاب أخرى.

وبما حررته في ( الذين آمنوا ) ينكشف غيم إشكال آخر تصوره بعض أهل التفسير، وهو تقييد الوعد في آخر الآية بالإيمان والعمل الصالح مع أن وصف الذين آمنوا نص في إيمانهم، ومقتض لعملهم الصالح وهذا الإشكال لا ينشأ على الأقوال الثلاثة التي كحيتها عن المفسرين قبل قليل في المراد بهؤلاء، وقد أدى هذا الإشكال بمن تصوروه إلى الاختلاف في المراد بهذا التقييد، منهم من قال: هو خاص بغير الذين آمنوا وهم الذين هادوا والنصارى والصابئون، ومنهم من قال: يراد به في الذين آمنوا الاستمرارية والدوام، وفي غيرهم الإنشاء من جديد، وإذا أدركتم أن المراد بالذين آمنوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تتصوروا شيئا من هذا الإشكال، كيف وقد وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - وهم قاعدة أمته وعلمها- بأكمل الأوصاف ثم قال فيهم: ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما )(14) ، وإذا جاز نحو هذا في خير القرون أفلا يجوز في الأمة عموما؟ وتخصيص التقييد ببعض المذكورين دون دعوى لا دليل عليها، وحمله في بعضهم على الاستمرار وفي بعضهم على الإنشاء حمل للفظ على حقيقته ومجازة في إطلاق واحد.

والذين هادوا هم أمة موسى عليه السلام ، وتسميتهم بذلك مأخوذة من قوله سلام الله عليه: ( إنا هدنا إليك )(15) ، واعتذارا إلى الله من عبادة قومه للعجل، وعليه فإن هاد بمعنى تاب، ووصفوا بذلك لتوبتهم من عبادتهم العجل، وقيل: من هاد بمعنى مال لأنهم كانوا يتهادون أي يتمايلون عند تلاوتهم التوراة وهو ضعيف، وقيل سُمَّوا بذلك لدينونتهم باليهودية، ويهود تعريب ليهوذا، وهم اسم لأكبر ولد يعقوب عليه السلام فيما قيل، وسمي به السبط الذي ينحدر من سلالته، ويرى الإمام ابن عاشور أن إطلاق هذا الاسم على

١٬١٠١ / ١٬٢٢٠