( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين* فجعلناها نكالا بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) 65, 66
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٣كما مثلوا بالحمار في قوله: ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً )10 واعتمد على هذا القول الإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وذهب ابن عاشور إلى احتمال الأمرين قائلا: ( والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين، والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني، والثاني أقرب للتأريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تأريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين ) .(11)
ولم يستعبد الفخر قول مجاهد ولكنه مال إلى قول الجمهور.
ويقوي مذهب الجمهور قوله سبحانه: ( فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها موعظةً للمتقين )12 فإن ذلك أنسب بالمسخ الصوري، فهو أردع عن المعصية لما فيه من وضوح سوء العاقبة وأوعظ للنفوس.
أما ما قاله الإمام محمد عبده، من أنه لا يتم كون تلك العقوبة نكالا للمتقدمين والمتأخرين، وموعظة للمتقين إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع وذلك ما هو معروف لأهل البصائر، ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر13، فيتعقب بأن العقوبة كلما كانت أغرب وأبعد عن المألوف كانت أبلغ أثرا في النفوس وأزجر للناس عن الاسترسال في العصيان.
وعدم ذكر القصة في كتب تاريخ العبرانيين لا يوحي بعدم وقوعها، فإن السكوت عن اليشؤ لا يدل على عدمه.
ومسخ الأجساد لا ينافي مسخ القلوب، فالظاهر أن الله جمع لهم بين العقوبتين، وتحول أجسامهم إلى ما يشبه أجسام القردة وتحجر قلوبهم بخروجها عما فُطرت عليه قلوب الناس، وهو بمعنى قول ابن كثير: ( بل الصحيح أنه معنوي صوري ) (14)
ومما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء الممسوخين هلكوا من غير عقب لئلا يظن ظان أن ما يوجد من القردة من أعقابهم، فإن القائلين بمسخ الأجساد اتفقوا – إلا من شذ – أنه لا يكون نسل للممسوخ، ولا تمتد به حياة أكثر من ثلاثة أيام، وهو مقتضى ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي اله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه