( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين* فجعلناها نكالا بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) 65, 66
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٤وسلم سئل عن القردة والخنازير أهي مما مسخ فقال: ( إن الله تعالى لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ) .
ولا عبرة بقول من قال بجواز أن تكون هذه القردة منهم وإن انتصر له ابن العربي بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت )، وبما رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بضَبّ فأبى أن يأكل منه وقال: ( لا أدري لعله من القرون التي مُسخت) فإن غاية ما في الحديثين أن ذلك مجرد ظن كان منه صلى الله عليه وسلم بدليل قوله في الحديث الأول ( ولا أراها ) وقوله في الحديث الثاني: ( لا أدري )، ثم تبين له صلى الله عليه وسلم بالوحي الذي أوحاه الله إليه أن المسيخ لا يكون له نسل فجزم به حديث ابن مسعود وظنه صلى الله عليه وسلم لا يعارض قطعهُ.
والخاسئ الذليل المبعد، وفائدة وصفهم بالخسوء دفع توهم أن مسخهم كان لدرء عقوبة الآخرة عنهم.
و ( ها ) من قوله: ( فجعلناها ) ضمير عائد إلى القردة، وقيل: إلى المسخة أو العقوبة بالمفهومة من المقام، وقيل: إلى القرية وقيل: إلى الحيتان. وما عدا القول الأول ضعيف لعدم سبق ذكر لشيء من ذلك.
وأصل النكال المنع – ومنه النِّكل للقيد لمنعه المقيد من انطلاق – سمي به العقاب لمنعه العاصي من العودة إلى المعصية وغير العاصي من الوقوع فيها.
واختلف كذلك في ضمير يديها وخلفها، وفي المعنى المراد بها، وقيل هو عائد إلى القردة، والمراد ( بما بين يديها ) من حضرهم و ( بما خلفها ) من يأتي بعدهم، ولا إشكال في استعمال ما للعاقل، وهو أصح ما قيل، وقيل: ( ما بين يديها ) من بيقهم من الأمم و ( ما خلفها ) من يأتي بعدهم، واستشكله ابن كثير لتعذر أن تكون