( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضهما كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) 72, 73
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٥الخصوم تراضوا في هذه القضية على ما دون القصاص.
واستدل المالكية بهذه القصة على أن قول المقتول قبيل وفاته ( دمي عند فلان ) أو ( فلان قتلني ) لوث تترتب عليه القسامة، وهو – لو سُلِّم له – مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو ضعيف، على أن الآية لم تشر إلى القسامة من قريب ولا من بعيد، كما أنها لم تشر إلى مصير القاتل بعد حياة القتيل، ومما يوهن هذا الاستدلال أن هذه النازلة خارجة عن المألوف فلا يقاس عليها، فإن حياة الميت بعد وفاته وتعيينه القاتل بقوله من خوارق العادات، فلا يحمل عليها قول أحد إثر طعنه ( دمي عند فلان ) أو ( فلان قتلني ) لاحتماله الصدق والكذب، ولكونه دعوى لم يقم عليها دليل، وإذا كانت الدعاوى الفارغة من البينات لا تقبل في المال ولو كان دانقا، فكيف تقبل في الدماء؟ والأنفس أغلى من الأموال.
أما قول ابن العربي – منتصراً لمذهب مالك – ( المعجزة كانت في إحيائه، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد )(9) فهو مردود للفرق بين الحالين، فإن العبد ما لم يفارق الحياة المألوفة لا ينفك عن التكليف، فإذا أحيي من بعد حياة أخرى – كحياة قتيل بني إسرائيل – لم يكن من التكليف في شيء لأنها حياة ما أراد الله بها إلا بيان الواقع.
وقد عنى كل من قطب الأئمة في ( هيميان الزاد ) والقرطبي في تفسيره ( الجامع لأحكام القرآن ) بشرح أحكام القسامة في هذا الموضع، وهو ما لا أجد داعيا إليه، إذ لا مناسبة بينها وبين الآية الكريمة لعدم تعرضها لها بشيء، ومثل ذلك التعرض لعدم ميراث القاتل من المقتول، فإن حكم ذلك لا يستفاد من الآية، وإنما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الناصة عليه.
واستدل القرطبي بقصة البقرة هذه على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو استدلال لا وجه له، بل الأقرب أن تكون دليلا على خلاف هذا المذهب، إذ لو كنا مخاطبين بما نص عليه في القرآن من شرائع الأنبياء السابقين وأحكامهم لكان علينا