جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ... وما الله بغافل عما تعملون )74

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٢

السلف ومن تبعهم يرونها خشية حقيقية تكون في الأحجار وغيرها من مخلوقات الله نعجز عن تصور كيفيتها، وذهب بعض السلف وكثير من الخلف إلى أنها ليست حقيقة لأنها في الأصل خوف باعث على اتقاء الخائف سخط المخوف، وحقيقتها الشرعية امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال، ولما تعذر ذلك في الجمادات- حسب رأيهم – حملوه على قبول الأمر التكويني، وجعلوه من باب المجاز المرسل بعلاقة التقييد والإطلاق، أو تمثيلا للهيئة الحاصلة من الجماد عند التكوين بهيئة المكلف حال الامتثال.

وبالغ ابن حزم في كتابه ( الفصل ) في الرد على أصحاب القول الأول مستندا في ذلك إلى أن الخشية ليست إلا نتيجة الإدراك ولا إدراك للجماد، وأن الحجارة – وغيرها من الجمادات – لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها رسول، وكذب من قال إن للحيوان والجماد تمييزا، وادعى أن العيان يكذب قائل ذلك، وخرج هذه الآية على أحد ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون الضمير في قوله تعالى: ( وإن منها لما يهبط من خشية ) راجعا إلى القلوب المذكورة في صدر الآية في قوله تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ، ومعنى ذلك أن من تلك القلوب القاسية ما يلين فيهبط عن تلك القسوة إلى الرقة فيما زجه الإيمان، وهذا كما يشاهد من تحول الكافر إلى الإيمان، والعاصي إلى الطاعة وقد حصل ذلك في أهل الكتاب كما يقتضيه قوله تعالى: ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ) .

ثانيها: ما ذكرته من قبل عن الذين فسروا الخشية بقبول الأمر التكويني.

ثالثها: أن المراد بـ ( ما يهبط من خشية الله ) الجبل الذي جعله الله دكا بتجليه له لبيان استحالة رؤيته، بكونه من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وعد ابن حزم هذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة، وبناء على ذلك فقد حمل ( يهبط ) على معنى ( هبط ) كقوله تعالى: ( وإذ يمكر بك الذين

١٬١٥٠ / ١٬٢٢٠