جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

آراء العلماء في المُحكم والمتشابه

الجزء ٤ · صفحة ١٥

قال صاحب المنار :" وكأن مجاهداً يعني بالمتشابه ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق ، أو كل ما لم يكن حكماً عملياً ، فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر. (1) .

وفيما قاله نظر ، فإن إلحاق العموم والإطلاق بالمتشابه يؤدي إلى اعتبار معظم الأدلة الشرعية غير واضحة المعنى فإنهما وإن كان يَردهُما - التخصيص والتقييد - ليسا مما يكتنفه الغموض في دلالاته فإن كلاً منهما واضح المعنى ، على أن المُطلق عنتد التحقيق من قسم الخاص والخاص قطعي الدلالة ، فكيف يُعد متشابها ؟! وفي قوله : " أو كل ما لم يكن حكماً عملياً فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر " تناقض واضح ؛إذ أن الأدلة الدالة على الأحكام العملية هي من باب الإنشاء غالباً وإن كانت ألفاظها تصاغ أحياناً صيغة الخبر ، وما مثَّل به مجاهد للمتشابه لا يعدو أن يكون من باب الأخبار ، فإن الآيات المذكورات في كلامه ليس في أي واحدة منهن إنشاء .

ورُويَ عن ابن زيد أن المُحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبُيِّن لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار في السور ، بعضه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني وبعضه بعكس ذلك ، نحو قوله : ﴿ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾طه20، و ﴿ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾الأعراف107 ، ونحو : ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾القصص32، و ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ ﴾النمل12 .

ولكن هذا بعيد عن كونه المراد في الآية الكريمة ، فإن مثل هذا الإختلاف في العبارات مع إتحاد المعنى ليس هو مما تخفى دلالته حتى يشتبه على الأفهام ، وإن كان متشابهاً - أي متماثلاً - في معناه ، ذلك لأن المتشابه المراد في الآية الكريمة تزيغ به قلوب الذين استحكم في نفوسهم الضلال ، وأي زيغ يترتب على تأويل نحو هذه الآيات ؟ اللهم إلا أن يجحدها المرء أو يجحد شيئاً من مضامينها

١٬١٨٩ / ١٬٢٢٠