جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

الجزء ٤ · صفحة ٢٥

فتخرقا فانظر كيف جعل للهدى صفاة صلبة يتعذر على المناوي حرقها كشأن الصم الصلاد ، تشبيها لما للهدى من قوة معنوية يعجز المكابر أن يقاومها بهواه، وأن ينفذ من خلالها تشبيهاته وأباطيله مع ما يسر الله لذلكم الهدى ممن يحميه بقوة السيف لئلا يحاول أولوا الباطل المساس به .

والقرآن مع كونه في المقام الأرفع بحيث تتعذر مجاراته وتستحيل معارضته هو لم يخرج عن هذا الإسلوب بحيث يُعبر فيه تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز ، ويكون مرة واضحا ، ومرة خفيا ، فلم يُفت المدارك والألباب ويعي القرائح والأفكار إلا لأنه وحي أوحاه الله ليكون ذكرًا للعالمين وحجة على الناس أجمعين ، فهو من حيث ظاهره وشكله كسائر الكلام العربي ، ومن حيث سره وروحه لا يجاريه غيره بل لا يدانيه لما جعل الله تعالى فيه من نور يتلألأ في مبانيه وروح غيبية تفيض بها معانيه ، وبهذا حارت ملكات بلغاء العرب في أمره وتجمدت قرائحهم عن محاولة مباراته والإتيان بحديث مثله .

3- إرسال العقل لاستلهام مقاصده : إن أعظم ما مُيِّز به الإنسان العقيل ، فلذلك كان مناط التكليف ، وقد جعل الله فيما أنزل من القرآن تنويًا لبصيراه ، ومن شأن العقل أن تتوسع آفاقه عند إعماله وتحريكه بخلاف ما إذا أُهمل وعُطِّل ، فإن ذلك يؤدي إلى جموده وانغلاقه ، ومن المعلوم أن استعمال العقل في استلهام المقاصد التنزيل بإمعان بصيرته في مُحكمه ومتشابهه من أسمى وجوه شكر من أنعم به ، فإن شكر النعمة إنما يكون باستخدامها في مراضي من أنعم بها ، وقد أنزل القرآن كتابه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، وقد أحال ذوي الألباب في خطابه لهم لاستلهام أبعاد مراميه إلى ما منحهم من بصيرة العقل ، فلذلك كثيرًا ما نجد يتكرر فيه : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾الرعد4 ، و ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾يونس24 ، و ﴿ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾الأنعام98 ، و ﴿ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ﴾آل

١٬١٩٩ / ١٬٢٢٠