جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

الجزء ٤ · صفحة ٢٦

عمران190 ، و ﴿ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ق 37 ، إلى غير ذلك مما يدل على شرف العقل وعظيم المنة به وعلى ضرورة استخدامه في درك مقاصد ما أنزل الله .

ولئن كانت متشابهات القرآن لا يصل إلى أبعاد مراميها إلا الراسخون في العلم ، فإن أولئك الراسخون لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بإفساح المجال لعقولهم الوقادة حتى حلقت في أجواء المعرفة والعلم ، فتمكنت بتوفيق الله عز وجل من ردِّ المتشابهات إلى المحكمات التي هي أم الكتاب ، وتلاشى أمامها ما عسى أن يتراءى لذوي البصائر الكلية من تناقضات بينها ، وذلك بخلاف شأن الذين في قلوبهم زيغ ، فإنهم بإهمالهم طاقات العقل وإطفائهم جذوة البصيرة يظلون أُسارى ظواهر ألفاظ المتشابهات لذلك يستبد بهم الزيغ ويهيمون في متاهات الضلال .

وبهذا التفاوت بين أولي الهداية والزيغ يتجلى تفاوت الناس في الإنتفاع بهدى ما أنزل الله ، وقد أقتضت حكمته تعالى أن يتغابن الناس في الخير بقد تفاوتهم في التوفيق والخذلان .

على أن فريق الهداية نفسه لا يكون على درجة واحدة في الفضل ، فإن منهم من هو أحدّث ذهنًا وأنور بصيرة ووأسع أفقًا بما أفاض الله سبحانه على بصيرته من سيوب مواهبه اللدنية حتى وصل إلى حد أن تكون معاني كتاب الله عز وجل تتمثل أمام ناظريه كالمشاهد الحية ،ومنهم من هو دون ذلك ، ومهم من يستعصي عليه فهم أشياء منه لا يتعدى طوره وإنما يقف في حد ما أُمر به في قوله تعالى : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾الإسراء36،مع إيمانه المطلق بأنه حق من عند الله ، فلا يجد إلا أن يقول : ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾آل عمران7، وبقدر هذا التفاوت في المدارك والأفهام واستيعاب معاني الوحي تتفاوت الأقدار ، ويتميز الناس بعضهم على بعض ، وتتجلى للناس آية الله الكبرى في إختلاف الناس حتى يُقاس منهم واحد بألف وألف بواحد ، ويصدق على بعضهم قول الشاعر :

١٬٢٠٠ / ١٬٢٢٠