جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه

الجزء ٤ · صفحة ٢٧

ولو كان القرآن في دلالته طبقة واحدة لما كان هنالك تمايز بين الناس وتفضيل لبعضهم البعض في فهمه وإدراكه ، وتفاوت في أجورهم بقدر تفاوتهم في خدمته بإظهاره مبهماته وتفصيل مُجملاته.

4- أن يكون لأهل كل عصر حظ في اكتشاف الجديد من أسراره وعجيب إعجازه : فقد نزل هذا القرآن لا ليكون خطابا للأمة إبان نزوله فحسب ، بل ليكون ذكراً للعالمين في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولذلك يتجدد بيانه بتجدد أحوال الناس وإختلاف أطوار الحياة ، فهو يخاطب أهل كل عصر بحسب ما أوتوه من أسرار العلم وانكشف لهم من حقائق الوجود وسنن الكون ، وقد وصل هذا القرآن الإنسان في خطابه له بنظام الكون بإطلاعه على ما يزخر به من آيات صامتة هادية إلى الحق تجلت في آيات ناطقة من القرآن نفسه ليظهر لهذا الإنسان أن القرآن هو المرآة الصافية التي تنعكس عليها حقائق الوجود بما يبهر العقول ويحير الألباب ، على أن هذا القرآن لم ينزل ليسرد دروساً في أحوال الكائنات ونظامها وفق المنهج العلمي المألوف لدى البشر ، وإنما أنزل من أجل دعوة الناس إلى الحق ، فلذلك يمزج عرض هذه الحقائق الكونية بالدعوة من أجل أن تصيب موضع الإقناع من العقل وتستولي على الأحاسيس والمشاعر ، ولم يكن ذلك خارجا عن أسلوب الكلام العربي آنذاك ؛ إذ العرب كانوا قد ألفوا الحوار في الخطاب ولم يكونوا آلفين للتأليف في فنون المعرفة وإنما كان الشعر ديوانًا لهم ومساجلات النظم والنثر ميدانًا لإستعراض ملكاتهم ، لذلك لم يخصص القرآن سورًا معينة أو مساحات من سور لتبيان حقائق هذا الوجود بطريقة مرتبة كما هو شأن دراستها في المنهج العلمي ، وإنما جيء بها لخدمة غرض الدعوة إلى الله تعالى ، ولهذا هذه الدعوة غير مهملة في أي سياق فيه بل هي مصاحبة لنزول القرآن أي شيء فيه في أي مجال كان ؛ ولذلك اقترنت أحكامه التشريعية بها ، فعندما يتحدث في الصلاة أو الزكاة أو الحج أو بر الوالدين

١٬٢٠١ / ١٬٢٢٠