الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه
الجزء ٤ · صفحة ٣٦وقوله : ﴿ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾الزمر56، وقوله : ﴿وَجَاء رَبُّكَ ﴾الفجر22، إلى غيرها من الآيات المتشابهات في إثبات مُعتقدهم الباطل أن الله جسم مُبعض ذو أعضاء ، وأنه ينتقل من مكان إلى آخر ، بل بالغوا في وصفه تعالى بصفات خلقه حتى عزوا إليه النسيان وغيره من صفات النقص متمسكين بقوله تعالى : ﴿ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾التوبة67،ومعرضين عن قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾مريم64، وقوله فيما حكاه عن موسى عليه الصلاة والسلام : ﴿ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ﴾طه52، وإما اختلفت الأمة في خروجهم بما قالوه من ملة الإسلام والحكم عليهم بأحكام أهل الشرك وعبدة الأوثان ؛ بحيث تحرم مناكحتهم وموارثتهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابر المسلمين ، فذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى الحكم عليهم بذلك ، وهو الذي عوَّل عليه شيخ القرطبي أبو العباس فيما تقدم نقله عنه ، غير أن جمهور أصحابنا رحمهم الله –لما عرفوا به من الإحتياط من الدين – راعوا أن أولئك متأولون في ضلالهم ، فهم ليسوا كمن قصد نبذ القرآن ومصادمة نصوصه ، لذلك لم يُخرجوهم من الملة ، وإنما قصارى ما حكموا عليهم به أنهم أهل زيغ وضلال فهم كفار نعمة لا كفار شرك ، وهذا الذي عوَّل عليه الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل - رحمه الله تعالى - من علمائنا في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجريين – فيما كتبه إلى أهل عمان وأهل حضرموت في المسائل التي وقع الخلاف فيها بينه وبين هارون اليماني - .
وسُئِل المحقق الخليلي – رضوان الله عليه – عن تشريك هؤلاء المُشبهة فأجاب بقوله : " إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الإهلاك والهلاك " (3) .
هذا ، وأما الفريق الثالث فإنه لم يحد عن الحق إذ لم يحمل هذه الآيات الكريمة إلا على محاملها التي يقتضيها اللسان العربي وتوحي بها