الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه
الجزء ٤ · صفحة ٣٧دلائل القرآن نفسه ؛ إذ القرآن الكريم – كما سيأتي بيانه إن شاء الله – أوحاه الله بلسان عربي مبين ، وفي هذا اللسان الحقيقة والمجاز ، وليس تأويل تلكم الآيات المتشابهات بما يتفق مع أمهاتها المحكمات وما تحتمله اللغة وتقتضيه دلائل العقل والنقل خروجًا عن هذا النهج السليم ،ولا يسلم أن السلف كانوا على غير ذلك ، وكيف وقد رُويَ عنهم تأويل كثير من المتشابهات ، وعلى رأس السلف الصالح جميعًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه علمنا التأويل للمتشابه فيما يحكيه عن الله عز وجل كما في صحيح مسلم من طريق أبي هريرة مرفوعًا : أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ! قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟! قال : أما علمت أن عبدى فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني ! قال : يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟! قال : أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني ؟ قال: يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي .
فأنتم ترون كيف جاء هذا الحديث الشريف بتعليم التأويل للمتشابه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم حاكيًا له عن الله عز وجل ، فإن الله تعالى في خطابه لعبده أسند إلى نفسه ما حل بعبده من المرض وما كان منه من الإستطعام والإستسقاء ، وهو تعالى منزه عن عُرضة للمرض أو لأي عارض يتنزل بالخلق ، كما أنه منزه عن استطعام أحد أحد أو استسقائه لغناه عن الطعام والشراب ، وإستغنائه بذاته عن جميع مخلوقاته ، ولكن إنما كان إسناد ذلك كله إلى نفسه بسبب ما لعبده من مكان عنده ، وما للإحسان إلى عباده من قدر عظيم يحظى به المحسن عندما ينقلب إلى ربه ، وسيأتي إن شاء الله بيان أن كثيرًا من الآيات والأحاديث المتشابهة أوَّلها السلف بما يتفق