الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه
الجزء ٤ · صفحة ٣٨مع تنزيهه تعالى عن الشبه بخلقه ، وإنما سكتوا عن أشياء لعدم الحاجة إلى تأويل معناها في زمانهم ، فإن السواد الأعظم منهم كانوا عربًا أقحاحًا عارفين بمضامين الكلام العربي ومدركين لقرائنه التي يخرج بها عن حقيقته إلى مجازه ، فلذلك لم يكونوا بحاجة إلى أن ينصوا على تأويل كل متشابه .
وهذا لا ينافي أن الواجب فيمن أشكل عليه تأويل شيء أن يقف عنه ويكل علمه إلى الله تعالى لحرمة التقول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ ﴾الإسراء36،وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾الأعراف33.
وأما كثرة السؤال عن المُتشابه فقد تؤدي إلى اللبس والإرتياب عند كثير من الناس لاسيما الجهلة والعوام ، فلذلك كان حريًَّا بمن كان ذلك منه أن يزجر أو يُؤدب كما روي عن عمر – رضي الله عنه – في صبيغ ، وحكى القرطبي في تفسيره عن أبي بكر الأنباري قوله : وقد كان الأئمة من السلف يُعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المُشكلات في القرآن الكريم ، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده ، فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ، إذ أوجد للمنافقين المُلحدين في ذلك الوقت سبيلاً إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل ، وحقائق التأويل ، فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ ابن عسل قدم المدينة ، فجعل يسأل عن مُتشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر – رضي الله عنه – فبعث إليه عمر فأحضره ، وقد أعدَّ له عراجين من