في المسألة مجال الاجتهاد
الجزء ٢ · صفحة ٥٧في المسألة مجال الاجتهاد:
وأنت تدري أن أمثال هذه الحجج التي استند إليها كلا الفريقين،ليس فيها ما يقطع به صحة أحد الرأيين،فتبقى المسألة مجالا للاجتهاد. ومن تجاسر على الخوض في تفسير هذه الفواتح ليس له أن يقطع بأن ما قاله هو عين المراد بها، فإن غاية ما في أقوال الخائضين في تفسيرها، الاستناد إلى قرائن قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، وإنما يستأنس بجواز فهم معانيها بعدم وجود ما يدل على استنكار العرب الجاهلين لها مع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عليهم،بل أثر ما يدل على تأثر بعضهم مع سماع سورة مفتتحة بها، وهو عتبة بن ربيعة،الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه عروضا في مقابل تنازله عن دعوته،فأسمعه النبي صلى الله عليه وسلم سورة(فصلت)،فلما وصل إلى قوله عز وجل: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) (1)، وضع يده على في رسول الله صلى الله عليه وسلم إشفاقا من نزول العذاب، وانصرف إلى قومه طالبا منهم أن يكفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم،ولم يذكر أنه استنكر شيئا مما سمعه .
وكان سبب إسلام عمر ـ رضي الله عنه ـ ما قرأه عند أخته من سورة (طه)، ولو كان شيء مما سمعاه لا تستسيغه فهوم العرب لما كان منهما هذا التأثر، بل لأدى ذلك إلى سخريتهما واستخفافهما به، كما يستأنس للجواز بما روي عن الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ من تفسير هذه الكلمات، فإن معظم من روى عنهم التوقف عن القول فيها، رويت عنهم كذلك أقوال في بيان معانيها .
------------------------
1 ) سورة فصلت الآية "13".
---