جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حجة الفريق الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٥

حجة الفريق الثاني:

وأما الآخرون فاحتجوا أيضا بالمعقول والمنقول، أما المعقول فمن وجوه:

أحدهما: أنه لو تعذرت معرفة شيء من القرآن على إفهام الأمة ما كانت لإنزاله فائدة، وكانت مخاطبة الناس به كمخاطبة العربي بالأعجمية، أو الأعجمي بالعربية

ثانيها: أن الخطاب إنما الخطاب يوجه إلى المخاطبين لأجل الافهام، فإن تعذر فهمه عليهم جميعا فهو عبث وسفه لا يليق بمقام الربوبية .

ثالثها: أن القرآن متحدى به ولا يتحدى إلا بالمعلوم .

وأما المنقول فبعضه من القرآن وبعضه من السنة، فمن القرآن قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (1) فإن التوبيخ على عدم تدبره لا يكون إلا لأن تدبره مطلوب، وهو دليل إمكان فهمه، إذ لو كان متعذر الفهم ما كانت في تدبره فائده . وفي معنى ذلك قوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (2)،ومن البديهي أن معرفة سلامته من التناقض تتوقف على فهم جميع معانيه .

وقوله: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) (3)، فإن الإنذار يتوقف على فهم المنذرين بما أنذروا به، وهذه الآيات دالة على أن الإنذار بجميع التنزيل، فليس من المعقول أن يكون منه ما لا يفهم معناه، ويزيد ذلك تأكيدا ووضوحا قوله: (بلسان عربي مبين ) .

ومن المعلوم أن العرب أول من خوطبوا به، وهو بلسانهم المبين، ولو لم تصل أفهامهم إلى شيء منه لكان في ذلك ما يدعوهم إلى رفضه، والطعن في وصفة بالإبانة، فإن هذا الوصف يتنافى مع بقاء شيء منه غامض المعنى. قوله تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (4) ، فإن الاستنباط يتوقف على الإحاطة بالمعنى.

وقوله: (تبيانا لكل شيء ) (5). وقوله: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) (6). وقوله: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم

٣٩٣ / ١٬٢٢٠