جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

معنى التقوى ومجالاتها

الجزء ٢ · صفحة ١٠٠

وذكر أبو السعود عن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أن التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما فرض. وعن شهر ابن حوشب: النتقي من يترك ما لا بأس به حذرا من الوقوع فيما فيه بأس ، وعن أبي يزيد أن التقوى هو التورع عن كل ما فيه شبهة، وعن محمد بن حنيف: أنه مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالى. وعن سهل: المتقي من تبرأ من حوله وقدرته. وقال بعضهم: التقوى ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك0 وقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح، والسلطان الجائر. وقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا أن يكون لو جعل ما في قلبه في طبق فطيف به في السوق لم يستحي ممن ينظر إليه.

وقيل: التقوى أن تزين سرك للحق كما تزين علانيتك للخلق. وهذه الأقوال كلها صادرة من أصل واحد، فهي متحدة المضمون وإن اختلفت بحسب اختلاف نظر أصحابها إلى مراتب التقوى ومقامات المتقين، فمنهم من نظر إلى أصل التقوى أو إلى زاوية من زواياه، ومنهم من نظر إلى ذروته وسنامه أو إلى قاعدته الكلية المستجمعة لجميع جزيئاته.

ومما ذكرناه من المعنى اللغوي للتقوى يستفاد أن أصله دال على السلب لأنه بمعنى التجنب والترك، ولكن بالرجوع إلى الآيات التي أسلفنا ذكرها وأمثالها، وإلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح، يتضح أن للتقوى في الشرع شقين؛ شقا سلبيا وهو ترك ما نهى الله عنه، وآخر إيجابيا وهو فعل ما أمر به، ولا بد من الجمع بينهما للاتصاف بحقيقة التقوى الشرعية، وقد جمعت كلمة التقوى في الشرع بين السلب والإيجاب- مع أن حقيقتها الوضعية للسلب- لأجل ما في فعل الطاعات واجتناب المعاصي من توقي سخط الله المؤدي إلى عقابه.

هذا ويرى العلامة السيد رشيد رضا أن العقاب الإلهي الذي يجب على الناس اتقاؤه قسمان؛ دنيوية وأخروي، وكل منهما يتقي باتقاء أسبابه، وهي نوعان؛ مخالفة دين الله وشرعه، ومخالفة سننه في

٤٣٨ / ١٬٢٢٠