معنى التقوى ومجالاتها
الجزء ٢ · صفحة ٩٨معنى التقوى ومجالاتها:
و ( المتقون) جمع متق، وهو دال على الاجتناب، لأنه مأخوذ من وقاه يقيه فاتقاه؛ بمعنى: جنبه يجنبه فاجتنبه.
واستخدم مجازا في اجتناب ما يسخط الله، وقد تكرر كثيرا في القرآن نحو: ( وإياي فاتقون)،( واتقوا الله)، ( واتقون يا أولي الألباب). فإنه ليس من المعقول أن يراد باتقاء الله اجتناب ذاته تعالى لاستحالة ذلك، وإنما يراد به اتقاء عذابه الذي يوجبه التهاون بأوامره وارتكاب نواهيه.
وإنما أضيفت التقوى إلى الله لتعظيم شأن مخالفته، وتهويل ما يترتب عليها من عقاب.
وذكر اللغويون أن الوقاية فرط الصيانة، ومن هذا المعنى أخذ علماء الشريعة تعريف التقوى فقالوا: إنها صيانة الإنسان نفسه مما يوجب العقوبة من فعل أو ترك، وقسموها إلى مراتب:
أولها: توقي الشرك.
ثانيها: توقي الكبائر، ومنها الإصرار على الصغائر.
ثالثها: ما أشار إليها حديث عطية السعدي عند أحمد وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس".
وذكر بعض العلماء أن الرتبة الأولى هي تقوى العوام، والثانية هي تقوى الخواص، والثالثة هي تقوى خواص الخواص.
وبما أن أصدق ما يفسر به القرآن القرآن نفسه، فإن علينا - ونحن بصدد بيان ما يراد بالمتقين- أن نستلهم حقيقة التقوى مما وصف الله به المتقين في كتابه، كقوله هنا في وصفهم: ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)(1). وقوله بعد بيان أركان البر الاعتقادية والعلمية والخلقية في هذه السورة: ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)(2) وقوله في سورة آل عمران: ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين