جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أنواع الهداية

الجزء ٢ · صفحة ٩٦

أنواع الهداية:

وإذا رجعت إلى ما تقدم تحريره في الفاتحة الشريفة، أدركت أن الهداية تختلف باختلاف نوعها، فإن كانت هداية توفيق- وهي لا تكون إلا من الله- فهي موصلة إلى البغية قطعا، وإن كانت هداية بيان فهي توصل إليها إن اقترنت بتوفيق الله للمهدي، أما إذا لم تقترن به فلا تؤدي إليها، بدليل قوله تعالى: ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)(1) وهذه الهداية تسند إلى الله كما في هذه الآية، وإلى غيره كما في قوله: ( يهدون بأمرنا)(2)، ومقابلة الهدى بالضلال في قوله: ( لعلى هدى أو في ضلال مبين) لا يستدل بها على الإيصال، لأن الهدى فيه بمعنى الاهتداء، وهو لازم، والاختلاف إنما هو المتعدي ويقابله الإضلال لا الضلال، كما لا يدل مجيء اهتدى مطاوعا لهدى أن فعل الهداية موصل إلى البغية، لأن الفعل المتعدي لا يستلزم وقوع المطاوعة في مقابله، ولذلك جاز نفي المطاوعة، في نحو أمرته فلم يأتمر، ونهيته فلم ينته، وعلمته فلم يتعلم، وهذبته فلم يتهذب، وبهذا تعلم عدم امتناع قول القائل: هديته فلم يهتد، وإطلاق المهدي في موضع المدح لأن الهداية سبب للاهتداء، مع حصول التوفيق، ويمكن أن يكون الخلاف اعتباريا، فمن نظر إلى اقتران الهداية بالتوفيق اعتبرها موصلة ومن قطع النظر عن ذلك جوز أن تكون موصلة وغير موصلة، وقد مر بكم في تفسير الفاتحة أن الهداية تكون تكوينية، وهي هداية الفطرة والحواس والعقل، ولا غموض في أن الهداية الفطرية والهداية الحسية موصلتان إلى البغية، وكذلك هداية العقل لمن وفق لاستخدامه، وإذا ما رجعتم إلى ما ذكرته هناك كملت لكم الفائدة وانجلى عنكم اللبس.

وبهذا التحرير يمكنكم فهم وجه تخصيص هدى الكتاب بالمتقين هنا وبالمؤمنين في قوله تعالى: ( هدى وبشرى للمؤمنين)(3)، وقوله: ( هدى ورحمة للمحسنين)(4) مع قوله في آيات الصوم من هذه السورة ( شهر رمضان

٤٣٤ / ١٬٢٢٠