جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

معنى التقوى ومجالاتها

الجزء ٢ · صفحة ١٠٢

مجتمعه وأمته، وناهيك أن التقوى تستلزم تجريد النفس من كل خوف ورجاء إلا خوف خالقها ورجائه، وبهذا يتضح لك أن الحركات النفسية داخلة في مدلول التقوى، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(9)، وقوله: ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)(10). وقد صرح بذلك صلى الله عليه وسلم في قوله: " التقوى هاهنا" وأشار إلى قلبه.

وتدخل في ضمن التقوى أقوال الخير كما تدخل أعماله، بدليل قوله تعالى: ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق به وأهلها)(11).

وليس قوله صلى الله عليه وسلم: " التقوى هاهنا" بمقتض حصر التقوى في صفات القلب، وإنما يشير إلى أن صلاح القلب هو أساس لصلاح الأعمال، لأنه سلطان الجوارح الذي يوجهها، إما إلى الخير وإما إلى الشر، كما جاء في حديث النعمان بن بشير عند الشيخين: "… ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

ولأهمية التقوى وكونها مصدر كل صلاح ومنبع كل فضيلة واساس كل خير، تكرر الأمر بها في الكتاب العزيز، وتكرر الثناء على المتقين، ولا تكاد تجد أمرا مكررا في القرآن كالأمر بالتقوى سواء كان صريحا أو في معرض الثناء على المتقين، وتجد ذلك مقرونا بالأوامر والنواهي، والتبشير والإنذار، والقصص والأمثال، والامتنان والاخبار، فاقرأ مثلا قول الله عز وجل: ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين)(12) تجد الأمر بالتقوى يتوسط التشريع والإنذار والتبشير، وتأمل قوله عز وجل في تقرير تمتيع المطلقات: ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين)(13)

وقوله تعالى بعد ذكر طائفة من أحكام الدين في آيته الأولى: ( واتقوا الله ويعلمكم الله)(14)، وبعد ذكر جانب من أحكامه والأمر بأداء الأمانة في آيته الثانية: ( وليتق الله ربه)(15)، وقوله في سورة الطلاق في معرض تبيان أحكامه: ( يا

٤٤٠ / ١٬٢٢٠