التقوى جماع الخير في الدنيا والآخرة
الجزء ٢ · صفحة ١٠٥( ....والعاقبة للتقوى)(11).، وقوله: ( …والعاقبة للمتقين)(12).
ويكفي ما ذكرته من الآيات شاهدا ودليلا على أن التقوى هي منبع السعادة والفوز في الآخرة، ومنشأ العز والكرامة في الدنيا، وهي مع ذلك سبيل النجاة من الشدائد، ومفتاح لباب الرزق والخير، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)(13).وقوله: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب)(14)، جعلنا الله من عباده المتقين وحزبه المفلحين.
ولربما تساءل بعض الناس: هل المتقون بحاجة إلى الهداية مع تسنمهم ذروة التقوى وبلوغهم منتهى الصلاح؟ والجواب: أن العبد مهما بلغ من مراتب التقوى وقطع من مراحل الاهتداء لا يزال بحاجة إلى مزيد عناية من الله تنفحه بروح الهداية، ولطف المواهب ومن هذا الباب قوله عز وجل في سورة الفاتحة تعليما لعباده المتقين: ( إهدنا الصراط المستقيم)، وقد سبق الكلام على ذلك، وليس ببعيد أن يكون المراد هدى للذين علم الله صيرورتهم إلى التقوى، لجواز أن يطلق على الشيء اسم ما يصير إليه، ومن هذا الباب قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من قتل قتيلا فله سلبه" فإنه عندما وقع عليه القتل لم يكن قتيلا. وروي من طريق ابن عباس- رضي الله عنهما-: " إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة".
وقد حكى الله عن نوح- عليه السلام- أنه قال في دعائه على قومه: ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)(15)، يعني صائرا إلى الفجور والكفر، ولو روعي ما كانوا عليه من الضلال عند بداية نزول القرآن فقيل: " هدى للضالين" لم يستقم المعنى، لأن من الضالين من ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فلا يهتدون بأسباب الهداية، ولذا قال تعالى عنهم في هذه السورة: ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)(16)، وقال عنهم: ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا