الإفراط والتفريط في نسبة الأفعال
الجزء ٢ · صفحة ٢١٧وهو شائع في الشعر العربي، ولكني لا أرى تخريج ما في القرآن عليه لسمو القرآن عن درجات الشعر.
وإذا كان النثر البليغ يستعصي أحيانا تخريجه على ما يباح في الأشعار، فما بالك بكلام الله تعالى الذي لا يعدل فيه عن لفظة إلى أخرى إلا وفي طي هذا العدول معنى بليغ يشار به إليه.
وبعد أن بين سبحانه وتعالى حال هؤلاء، في الدار الدنيا بأنهم لا يهتدون سبيلا ولا يسمعون للحق قيلا، لما على قلوبهم وسمعهم من الختم، وعلى أبصارهم من الغشاوة، أتبعه ببيان مآلهم في الدار الآخرة، بما يوعدهم به من العذاب العظيم، هذا إن قلنا أن العذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهو المتبادر، وأجاز بعض المفسرين أن يقصد به إما عذاب النار في الآخرة، وإما عذاب القتل والسغب في الدنيا.
والعذاب كالنكال لفظا ومعنى، مأخوذ من أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، كما يقال فيه نكل عنه.
أو من قولهم عذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب، وبناء على ذلك فالتعذيب أصله حمل الإنسان على أن يعذب أي يجوع ويسهر.
وقيل: هو مأخوذ من العذب والعذوبة وعليه فمعنى التعذيب إزالة عذوبة حياة المعذب، كما يقال مَرَّضته أي أزلت مرضه، وقذيته أي أزلت قذاه.
وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط، أي طرفه، وبناء على ما تقدم فالعذاب رديف النكال ويراد بهما العقاب.
وقيل: إن العذاب أعم منهما، فهو يشمل ما يلم بالنفس أو الجسم من الألم سواء كان رادعا من العصيان أم غير رادع.
أما النكال والعقاب فلا يكادان يطلقان إلا على ما يردع.
والعظيم قيل ما هو كالكبير وقيل فوقه لأن يقابله الحقير، ويقابل الكبير الصغير، والحقير أدنى من الصغير، فيلزم أن يكون العظيم أعلى من الكبير.
واستشكل ذلك مع قوله تعالى في الحديث القدسي: " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" حيث جعل تعالى الكبرياء في مقام الرداء والعظمة في مقام الإزار، مع أن الرداء أرفع من الإزار، ويترتب عليه كون الكبرياء أرفع من