قسما النفاق
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٣قسما النفاق:
وبهذا يتبين لك أن النفاق ينقسم إلى: نفاق عقيدة، ونفاق عمل.
وبما أن كثيرا من علماء المذاهب ينكرون نفاق العمل ولا يرون النفاق إلا في إبطان خلاف الظاهر من الاعتقاد، أشكلت عليهم هذه الأحاديث، وجرهم ذلك إلى تأويلها بما يتفق مع رأيهم، وإن خالف ظاهر مدلولها. والحق أن الكتاب والسنة فوق الآراء والمذاهب، فيجب أن تخضع لهما الآراء دون العكس، وليس في نسبة ثلاث خصال أو أربع إلى النفاق ما يمنع من كون النفاق العملي ينسحب حكمه على كل ما خالف الدين من الأعمال، فإن ذكر هذه الخصال لا يقتضي الحصر، وإنما هو من باب التمثيل والتقريب للأذهان، ومما هو ظاهر بداهة أن التمثيل بها دال على خطورتها، ومقتض للتحذير منها والعدد هنا ليس له مفهوم.
والنوع الأول من النفاق هو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر إلى المدينة، ولم يكن في عهد الدعوة المكي وجود للمنافقين، إذ لم يكن ثم مناخ ملائم لنبت النفاق، فقد كان السلطان بأيدي المشركين وكان المسلمون معرضين للأذى من قبلهم، فلم يكن داع لأن يتملق أحد إلى المسلمين بإعلان الإسلام مع استسراره ضده كما ألمحت إلى ذلك في مقدمة تفسير هذه السورة.
وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتلبس دار الهجرة بادئ الأمر بالنفاق، إذ كان الناس فيها بين مؤمن صادق الإيمان، وكافر يجاهر بكفره، سواء كان يهوديا أو وثنيا، حتى تحقق للإسلام النصر المؤزر في غزوة بدر الكبرى التي كانت إيذانا بظهور الحق واكتساحه الباطل فرجفت القلوب المريضة ممن تخلف عن ركب الإيمان من الأوس والخزرج وأحلافهم من اليهود وكان بنو قينقاع أحلاف الخزرج، وبنو قريضة والنظير أحلاف الأوس.
واليهود من طبعهم الحقد الأسود، والكراهة المتأصلة للحق والعداء المستحكم لأهله، وقد شعروا أن دعوة الحق التي اتخذت من المدينة مركزا لها