جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (9)

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٣

معاملة أنفسهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم- بفعل من يخدع غيره بمختلف الأساليب في المعاملة، كما تشبه بذلك أيضا حالتهم في خداعهم بقوله: ( وما يخدعون إلا أنفسهم )، حيث نفى سبحانه أن تكون مغبة هذا الخداع واقعة إلا عليهم، لأنهم الذين يجنون ثمرتها المرة، ويكابدون غصصها المؤلمة، وقد تبادر للسامع أو القارئ وجود تناقض بين ما في صدر الكلام وعجزه، حيث أثبت تعالى أولا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا ثم نفى ما أثبته ضمن قوله: ( وما يخدعون إلا أنفسهم).

والجواب أن المنفي غير المثبت، فما عبر عنه بالخداع أولا هو تلك الأقوال والأعمال التي كانوا يبدونها مع انطوائهم على نقائضها، ثم أطلق اسم الخداع على لازم معاملتهم، وهو الضر الماحق والعاقبة الوخيمة، وذلك واقع بهم دون غيرهم كما علمت، وهذا من باب المجاز على المجاز، لأن المخادعة استعيرت أولا لما استعيرت له من معاملتهم للمؤمنين ودين الله، ثم نزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازا في لازم ذلك المعنى الذي استعيرت له.

وهذه الجملة حال من فاعل (يخادعون) في الجملة التي قبلها، وفيها قراءتان مشهورتان:

الأولى: ( وما يخدعون) وبها قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي من السبعة كما قرأ بها أبو جعفر ويعقوب، من سائر العشرة.

والثانية: (وما يخادعون) بزيادة ألف المفاعلة، وبها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، من السبعة، وخلف من بقية العشرة.

وثم قراءات أخرى من الشواذ غير المعول عليها، ولا إشكال في القراءة الأولى، وإنما الإشكال في الثانية لاقتضائها في المشاركة التي لا تصدر إلا عن جهتين فصاعدا، مع أن الجهة هنا متحدة ويندرئ الإشكال باعتبار أن من يقدم على جريرة من الجرائر لابد له أن تتفاعل في نفسه خواطر متضادة منها ما ينشأ عن بصيرة العقل ووحي الضمير ومنها ما ينشأ عن رعونة العواطف واضطراب الهواجس، فيتولد ما يشبه العداوة بين الجانبين، ويظل المرء في تردد بين إقدام وإحجام، حسب

٥٦٩ / ١٬٢٢٠