جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (9)

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٦

المراد.

وذكر أبو حيان في البحر أن بعضهم ادعى بأن في عبارة هذه الآية قلبا، وأن الأصل وما يخادعهم إلا أنفسهم، لأن الإنسان لا يخدع نفسه، بل هي التي تخدعه وتسول له وتأمره بالسوء، وأورد أشياء مما قلبته العرب، وذكر أبو حيان أن للنحويين مذهبين في القلب:

أحدهما جوازه في النثر والشعر اتساعا واتكالا على فهم المعنى.

ثانيهما: عدم جوازه إلا في الشعر في حالة الاضطرار.

قال: وهذا الذي صححه أصحابنا ثم أتبع ذلك بأن هذا المدعي للقلب نظرا إلى قوله تعالى: ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا)(7).

وقولهم: منتك نفسك، فحل أن الممني والمسوِّل غير الممنى والمسوَّل له، ثم عكر عليه بأن الأمر ليس كما تخيل، فالفاعل هنا هو المفعول كما يقال أحب زيد نفسه وعظم نفسه، فلا يتصور تباين بين الفاعل والمفعول إلا من حيث اللفظ مع وحدة المدلول، وإذا صح المعنى دون القلب فلا داعي إليه، مع أن الصحيح عدم جوازه إلا في الشعر، فما أجدر كتاب الله عز وجل أن ينزه عنه.

والنفس: حقيقة الشيء ذاته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)(8)، وقوله: ( كتب على نفسه الرحمة)(9)، وقوله: ( ويحذركم الله نفسه)(10).

هذا هو المعنى اللغوي للنفس، أما ما عدا ذلك من المعاني فهو من اصطلاح الحكماء الذين لا داعي إليه في فهم مقاصد القرآن.

وجملة "وما يشعرون" إما مستأنفة وإما معطوفة على جملة "وما يخدعون"، والشعور: يطلق على العلم بدقائق الأشياء الخفية، ويرى بعض أهل اللسان أنه مأخوذ من إصابة الشَّعَرِ فإنه لدقته مما يستصعب، وكذلك الشعور هو إصابة ما دق من المعاني والتفطن لما خفي من الأمور.

وأصل الشعر العلم بهذه الدقائق، ومنه قولهم: ليت شعري، ثم نقل إلى الكلام الموزون المقفَّى لما في تركيبه من الدقة وما يحتويه من خفي المعاني ودقيق المقاصد التي لا يتفطن لها إلا أصحاب الإحساس المرهف، ومن هنا قيل إن الشعور لا يستعمل إلا فيما دق من

٥٧٢ / ١٬٢٢٠