جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (9)

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٧

حسي وعقلي، فلا يقال: شعرت بحلاوة العسل، وبصوت الصاعقة، وبألم كية النار، وإنما يقال: شعرت بملوحة في الماء أو مرارة- إذا كانت قليلة- وبهينمة وراء الجدار، وبحرارة في بدني.

وهذا الوصف في المنافقين مشعر بتحجر عقولهم وخبو فطنهم، وهو- كما قيل- أبلغ في الذم من وصفهم بعدم الإحساس، لأن الذم على أمر يمكن حصوله ألذع وأنكى من الذم بما يتحقق عدمه، وإحساسهم أمر معلوم لهم وللناس، فلا يغيظهم أن يوصفوا بعدمه، بخلاف وصفهم بعدم الشعور المتضمن لمعنى البلادة.

ومن حيث أن الشعور يتميز عن العلم باختصاصه بدقائق الأمور المحسوسة والمعقولة أوثر في التعبير هنا على العلم نظرا إلى أن مخادعتهم لأنفسهم مما لا يظهر إلا لذوي الفطن المتوقدة، والمدارك المتفتحة، والمنافقون بما ران على قلوبهم من النفاق واستحكم في عقولهم من الضلال ليسوا من الذين يراقبون الله عز وجل، فهم إن وجد بينهم من يؤمن بوجود الله سبحانه فإيمانه سطحي لم يتغلغل في أعماق نفسه، ولم يلامس شغاف قلبه، فلذلك كانوا أبعد ما يكونون عن خشيته ومراقبته، والتفكير فيما يرضيه وما يغضبه، فكانت معاملتهم له معاملة الخب الخادع لمن يرجوا أن تنطلي عليه حيلته ويؤثر فيه مكره، وما كانوا يتفطنون أن عاقبة مكرهم ستعود عليهم بشر مما كانوا يتوقعون.

------------------------

1 ) سورة آل عمران الآية "181".

2 ) سورة المائدة الآية "64".

3) سورة الفتح الآية "10".

4 ) سورة النساء الآية "142".

5) كذا في البحر المحيط لأبي حيان ولم أجد البيت في غيره، والظاهر أن الصواب " يستوعب" بتقديم العين على الباء الموحدة بمعنى يستأصل، والذوبان: اللصوص، ويطلق على الصعاليك، ويطور:يقرب.

6 ) سورة الانفال الآية "17".

7 ) سورة يوسف الآية "18"

8 ) سورة المائدة الآية "116".

9 ) سورة الأنعام الآية"12".

10) سورة آل عمران الآية"30".

---

٥٧٣ / ١٬٢٢٠