أساليب المنافقين في الخطاب
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٢أو بعض، وذهب الفخر إلى أنه تأكيد له، والصحيح ما أسلفناه.
والاستهزاء: الاستخفاف، ومادته دالة عليه فإنهم يقولون تهزأ به ناقته إذا أسرعت وخفت، وذكر الإمام الغزالي أنه الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائض على وجه يضحك منه، وذكر الفخر أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، وأتبع ذلك بقوله: فعلى هذا قولهم )إنما نحن مستهزئون( يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم، ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم"(1) ورده الألوسي بأنه مخالف للغة والعرف.
وبعد أن حكى الله سبحانه عن أولئك السفهاء ما حكاه من استخفافهم بأولي الحلوم الراجحة، والإيمان الراسخ، رد على مقالتهم السيئة بقوله( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) ليكون في هذا الرد الصريح تسلية للمؤمنين في ذلك العصر وفيما يتبعه من العصور؛ بأن الله تعالى كافيهم مكائد خصومهم الذين يلقونهم بوجوه الخير ويخفون وراءها قلوبا طافحة بالشر، غاصة بالأحقاد، ومثله قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنا كفيناك المستهزئين)(2)، وفي هذا تثبيت لعزائم أهل الحق وبعث لهم لأن يشقوا طريقهم لا يلوون على أحد من مناوئيهم، ما دام الله سبحانه هو المتكفل بأن يجزيهم جزاء من جنس عملهم.
والآية الكريمة وإن نزلت في المنافقين الذين كانوا في عهد الرسالة فمدلولها يشمل كل من كان على شاكلتهم، وما أكثر أولي الاستخفاف بالحق والاستهزاء بأهله الذين يلقون المؤمنين بالألسنة الكاذبة والقلوب الحاقدة والنوايا السيئة، وإنما سلي المؤمنين في هذه الكفاية الربانية( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصير)(3).
وقطع هذه الجملة عما قبلها لأن عطفها قد يوهم أنها من مقول المنافقين، وأنهم يدعون أن الله تعالى يؤيدهم ويعزز جانبهم، إذ يستهزئ بالمؤمنين كما يستهزئون، فكان فصلها دالا على استقلالها عن كلامهم، وأنها من كلام الله تعالى تبكيتا لهم