جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أساليب المنافقين في الخطاب

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٣

وانتصارا لعباده المؤمنين، ومن ثم سبب آخر، وهو أن حكاية ما كان من المنافقين في معاملتهم أهل الإيمان، ومصارحتهم قومهم بأنهم يستهزئون بهم بما يلقونهم به من الكلم الطيب، يجعل الأعناق تشرئب، والعيون تتطلع إلى ما يحدث من رد فعل من جانب المؤمنين، فرب قائل يقول ماذا عسى أن يفعل الذين آمنوا وقد اصطبغوا بخديعة أهل النفاق، ووقعوا في فخ كيدهم، وشراك مكرهم؟ فجاء هذا الرد من قبل الله بأن ذلك موكولا إليهم، وإنما الله الذي هداهم إلى الحق هو المتكفل بخصوصهم، وفي القطع في هذا المقام من الجزالة ما لا يخفى.

ومن ناحية أخرى فإن العطف يقتضي أن يكون استهزاؤهم مما يعتد به، وتركه يشعر أنه لا شيء بجانب استهزاء الله بهم، فهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى شيء من مرادهم في الذين آمنوا لأن الله بهم محيط وبكيدهم خبير.

ومما يؤكد اعتبار الاستئناف تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي الذي وليه، إذ لم يقل يستهزئ الله بهم، لأنه مما يجول في خواطر السامعين السؤال عن من يتولى جزاء صنيعهم، وفي هذا الجواب تنبيه على أن الله تعالى وحده هو الذي يتولى ذلك، وفيه مالا يخفى من رفعة قدر المؤمنين عنده، ونحوه قوله سبحانه: ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا)(4)، على أن بعض أهل البلاغة يرى أن تقديم المسند إليه هنا قاض بقصر المسند عليه، وهو مقتضى مذهب إمامي البلاغة عبد القاهر الجرجاني وجار الله الزمخشري.

وقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: الله مستهزئ بهم ليوافق قولهم( إنما نحن مستهزئون) غير أنه عدل عن الاسم إلى الفعل للدلالة على تجدد الاستهزاء من الله بهم، حتى لا يغتر أحد بما يراهم فيه من نعمة ظاهرة، فإن البلاء بهم متلاحق والجزاء فيهم متنوع والمحن عليهم مسترسلة،( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين)(5)، وكان الخوف يساورهم يحذرون دائما من تهتك أستارهم، وانتشار أسرارهم، وبدو أمرهم، وكانوا وجلين من كل ما ينزل من الآيات( يحذر

٦٢٩ / ١٬٢٢٠