جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)(16)

الجزء ٢ · صفحة ٣٠١

والبدع، واستولت عليهم الانحرافات والضلالات، فعلا سلطان ذلك على سلطان الدين، ونتج عنه ضلال الرؤساء في فهمه بإخلادهم إلى تحكيم تقاليدهم الموروثة ونبذهم الكتاب بطرق من التحريف والتأويل كما نتج عنه إهمال المرؤوسين التفكر والنظر في الكتاب بسبب حظر الرؤساء ذلك عليهم ومن هنا ضل الفريقان في استخدام العقل، وفي فهم الوحي بعد أن كان ذلك ميسرا لهما،واستعاضا عنه المنافع العاجلة، فللرؤساء المال والجاه والتفخيم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه الرؤساء على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف بالفتاوى الباطلة، والتأويل المحرف، هكذا استحبوا العمى على الهدى وهو العقل والدين رغبة في الحطام وطمعا في الجاه الكاذب.

هذا معنى كلامه وهو مبني على ما تقدم ذكره عنه أنه يرى أن المنافقين المعنيين في الآيات كانوا من اليهود وحدهم، ولغيره أن يتعقب تفسيره للاشتراء بأن المعاوضة التي تكون بين طرفي المبايعة اللغوية غير موجودة هنا، إذ لم يكن فريق آخر دفعوا إليه ما كان عندهم من الهدى وأخذوا ما عنده من الضلال، على أن العرب يطلقون هذا اللفظ أحيانا على مطلق الاستبدال من غير مراعاة للقيود التي ذكرها، كالشاهد المتقدم:

فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

إذ لم يكن في ذلك طرفان، بائع ومشتر، ولا فائدة في هذا الشراء حقيقية أو وهمية، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى"، ومثله عن ابن عباس وأناس من الصحابة- رضوان الله عليهم-، وأخرج هو وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال: " استحبوا الضلالة على الهدى" ويعضده قول الله سبحانه: ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)(4).

وفسر ابن عباس- رضي الله عنهما- الضلالة هنا بالكفر، والهدى بالإيمان وقد تقدم معنى الكلمتين في تفسير الفاتحة الشريفة.

ولسائل أن يسأل، كيف استعاضوا الضلالة بالهدى مع أنهم لم يكونوا

٦٣٧ / ١٬٢٢٠