( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)(16)
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٢مهتدين من قبل، على أن قطب الأئمة- رحمه الله- فسر في هيميانه اشتراءهم الضلالة بالهدى على الضلالة وإعراضهم عن الهدى.
والجواب أنهم كانوا متمكنين من الهدى، إذ لم يكونوا مكرهين على الضلالة، وقد لاحت لهم أعلام الحق، وأشرقت بين أيديهم أنوار الحقيقة، وإنما رفضوه من تلقاء أنفسهم على أن الدين القويم هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما من أحد إلا هو مفطور عليه، غير أن البيئات الفاسدة، والتربيات المنحرفة وإيثار العاجلة على الآجلة هي السبب في انتزاع هداية الدين، والحاجز بين النفس والانتفاع بهذه الهداية.
ومن المفسرين من يحمل هذا الوصف على قوم آمنوا من قبل ثم ارتدوا في سريرتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم)(5)، وقوله ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) (6)، وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد ومجاهد، قال آمنوا ثم كفروا، وهو مقتضى قول قتادة: قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلال ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة.
وانتقد ابن جرير من قال إن هذا الوصف فيمن آمن ثم كفر، لأن السياق يأبى ذلك، فإن كل ما في سورة البقرة من وصف المنافقين دال على أن الإيمان لم يصل إلى سويداء قلوبهم في وقت من الأوقات وإن ادعوه بأطراف ألسنتهم، وهذا يعني أن فريق المنافقين المذكور هنا غير الذين ذكروا في قوله ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا)، وقوله ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ).
ولما كان كل من المتابيعين يسعى إلى الربح، إذ هي ثمرة التجارة ومطمح التجار، عقب ما تقدم ببيان أن هؤلاء المنافقين فشلوا في سعيهم، وخابوا في أملهم، ومن المعلوم قطعا أن من آثر الضلال على الهدى، واختار الكفر على الإيمان، فقد بذل ما ينفع في مقابل ما يضر، وتلك هي الخسارة العظمى، وإنما عدل عن التنصيص على خسرانهم إلى نفي ربحهم