جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )

الجزء ٢ · صفحة ٤١٠

وبناء على رأي من يقول إن هاتين الجملتين من قول الكفار فهما داخلتان في ضمن ما استنكروه، ومعنى ذلك أنهم استنكروا ما في المثل من تفريق الناس إلى طائفتين ونسبة الهداية إلى طائفة والضلالة إلى أخرى.

وقد أبعد ابن عطية النجعة حيث أجاز أن يكون " يضل به كثيرا" من قول الذين كفروا، و " يهدي به كثيرا" من قول الله ردا عليه، واستبعد ذلك غيره من المفسرين، وما أحراه بالاستبعاد.

والباء في الموضعين للسببية، ومعنى كون المثل سببا للهداية والضلال أن أصحاب النفوس الصافية والفطرة السليمة لا يرون فيه ما يعاب ويستنكر فيتلقونه بالقبول ويدركون أبعاده، فإن كانوا على إيمان من قبل ازدادوا فيه رسوخا، وإن لم يكونوا على هدى فإنهم بتأملهم في الغاية المرادة من المثل ينجذبون إلى الهدى فيكونون في عداد المؤمنين فهو على كلا الحالين سبب للهدى بالنظر إلى هذه الطائفة، وأما الذين في قلوبهم مرض فلا يكاد يقرع مسامعهم حتى تستنكره قلوبهم المأفونة، وترفضه عقولهم المريضة، فيزدادون به غيا إلى غيهم، ولذا كان سببا لضلالهم.

وتفسير المثل الذي ذكرته هو الذي عول عليه جمهور أهل التفسير ولم أجد خلافا في ذلك عن أحد منهم إلا ما ذكره صاحب المنار عن بعضهم- ولم يسمه- وهو أن المثل في الآية ليس مثلا يقال بل هو مثل يحتذى أي القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وعليه فالمراد بقولهم " بهذا " رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم استنكروا أن يرسله الله من بينهم إليهم وإلى الناس، لعدم تميزه عنهم بكونه من جنس آخر غير جنس البشر، كما يستفاد من قولهم فيما حكى الله عنهم: ( أأنزل عليه الذكر من بيننا)(3)، وقولهم: ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا )(4)، وقد أيد صاحب المنار هذا التفسير للمثل بوروده بهذا المعنى في القرآن، في قوله تعالى: ( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين)(5)، وقوله: ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون )(6)، وقوله( إن هو إلا

٧٤٦ / ١٬٢٢٠