( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا )
الجزء ٢ · صفحة ٤١١عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل )(7)، فمن هذه الآيات انتزع الشاهد بصحة تفسير المثل بالذي ذهب إليه، وحمل هذه الآية على دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق- وهم مشركو العرب- والذين أنكروا أن يكون نبيا مع كونه عربيا- وهم اليهود-.
وقد أقام الله عليهم الحجة بقوله: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا )، وأتبعه بوعيد من أعرض عن الإيمان بعد قيام البرهان- وهم الكافرون- وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات- وهم المؤمنون- وبعد أن قرر عليهم حجته- وهي تحديهم بسورة من مثله- كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشرا رسولا من عنده.
ومحصل ذلك- على هذا التفسير- أن الله تعالى خالق كل شيء فله أن يجعل ما شاء من الفوائد والمنافع والعبر فيما يشاء من خلقه ومن يشاء، ويضربه مثلا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصا في جانب الألوهية، فيستحيي منه، بل من الكمال والفضل أن يجعل في المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإنسان الكامل- الذي خلقه في أحسن تقويم ورفع قدره بما اختصه به من المزايا والتكريم- مثلا لأمته به يهتدون، وإماما لهم بهديه يقتدون؟
وبناء على هذا التوجيه في المثل فيراعى توجيه بقية معاني الألفاظ بما يتفق مع هذا المعنى؛ وهو أن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإمام أرادته عناية الله بأن يتبوأ هذه المنزلة مهما كان ضعيفا في نفسه، فإن الله هو الذي يعضده ببرهانه، ويمده بتوفيقه، وأما الكافرون فيستنكرون ذلك لأن غيره- في رأيهم- أجدر بهذه المنزلة.
وقفى صاحب المنار ما ذكره في تسويغ هذا الرأي وترجيحه بذكر أن أصحاب البصائر لا يفوتون الاستفادة الحاصلة من الإقتداء بالحيوانات في أعمالها، ومن ذلك أن أحد كبار الصوفية قال: " تعلمت المراقبة من القط"، وأن بعض حكماء